
حضانة هيفين
قالت رائدة الأعمال إيمان جساس أنّها لطالما أرادت العمل في مجال التعليم، فقد قالت:
“لعائلتي تاريخ عريق في سلك التعليم وكثيرون من أسرتي يعملون مدرّسين”، مُضيفةً أنّهم شغوفون في التعليم ويحبونه كثيرًا.
إيمان معلّمة مخضرمة بخبرةٍ تزيد على 35 عامًا، وهي مؤسِّسة حضانة هيفين التي تقع في مدينة أربيل. انتقلت إيمان وعائلتها من بغداد إلى أربيل بسبب بعض المخاوف الأمنية، وعملت في أربيل في مدرسةٍ للأطفال النازحين داخل البلاد، قبل أن تقرر افتتاح عملها الخاص عام 2018. وقد أشارت إيمان إلى قرارها بأنْ تصبح رائدة أعمالٍ قائلة:
” أعتقد أنّ الكثير من المناهج التعليمية وطرق التدريس ليست أفضلَ الطرق لتعليم الأطفال. أدركتُ أنني أستطيع أن أنشئ عملي الخاص وأستخدم أفضل الطرق التي أعرفها لتعليم الأطفال”.

تقدّم حضانة هيفين الرعاية والتعليم للأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين أربعة أشهر وأربعة أعوام، وهي الحضانة الأولى في العراق التي تحصل على شهادة المنظمة الدولية لتوحيد المقاييس “ISO” عن التعليم والرعاية في مرحلة الطفولة المبكرة. قالت إيمان أنّ الطعام الصحي والمرافق النظيفة والرياضة والأنشطة الخارجية كلّها عناصر مهمة لإدارة الحضانة، لكنّ الاهتمام بالأطفال الذين يأتون إلى الحضانة عنصرٌ أهمّ، فقد قالت أنّ
“الاهتمام بالطفل أهمّ من التعليم”.
قدّمت حضانة هيفين منذ افتتاحها خدمات رعاية الأطفال لأكثر من 150 عائلة، وتقدّم أيضًا دروسًا خاصة للأطفال الذين يعانون من صعوبات متوسطة في القراءة والتحدّث والتعلّم، وفيها معلمةٌ مُعتمَدة لدعم الأطفال المصابين بالتوحّد. كما وظّفت الحضانة 9 نساء، بمن فيهنّ عرقياتٌ هربن من الموصل بالإضافة إلى لاجئة سورية.
كانت إيمان تخطّط لتجديد مرافق الحضانة والتوسّع في موقعٍ ثانٍ، لكنّ جائحة كوفيد-19 مثّلت عقبةً غير متوقعة، فقد أجبرت الجائحة حضانة هيفين على الإغلاق لثمانية أشهر، وبهذا لم تكن تدرّ أي دخل وفي الوقت نفسه استمرّت بدفع أجور الموظفات ورسوم الإيجار. وقد قالت إيمان أنّ الجائحة كانت فترة يكتنفها الغموض، فقد استمرّت لوقتٍ أكثر مما توقعَته. قالت إيمان:
” الإحباط أنسب كلمة تصف فترة الأزمة تلك، فقد خسرنا الكثير خلال ذلك الوقت. وواجهنا وضعًا صعبًا للغاية طوال 6 إلى 9 أشهر”.
استمر الضغط الذي تواجهه الحضانة بعد إعادة فتح القطاعات، فقد كان عدد الأهالي الذين يسجّلون أطفالهم في الحضانة في ذلك الوقت قليلًا. وقد أصبحت حضانة هيفين في أوائل هذا العام أول مشروع يحصل على قرضِ إغاثةٍ في الجولة الثانية من برنامج الاستثمار في شمال العراق لدعم الشركات الصغيرة والمتوسطة في ضوء جائحة كوفيد-19. إذ يقدّم البرنامج قروضًا تجارية قصيرة المدى للأعمال التجارية القائمة شمال العراق لمساعدتها في تجاوز أثر جائحة كوفيد-19 المتبقي والحفاظ على الوظائف وسبل العيش. وقدّمت الجولة الأولى من البرنامج قروض إلى 25 شركة وبهذا ساهمت في الحفاظ على 413 وظيفة مباشرة، وستقدّم الجولة الثانية منه 750 ألف دولار لتمويل الشركات المؤهلة.

حريّ بالذكر في هذا السياق إلى مساهمة قرض الإغاثة لحضانة هيفين في دفع رواتب موظفاتها لمدة ستة أشهر، وسيمنح إيمان التمويل الذي تحتاجه لاستكمال تجديد مرافق الحضانة. إذ تخطط إيمان أيضًا إلى استخدام التمويل لتوسيع نظام الكاميرات الذي يتيح للأهل مشاهدة بث فيديو الحي ومباشر لأطفالهم أثناء تواجدهم في الحضانة، وهذه ميزة رئيسية توفرها في حضانتها. تقول إيمان:
” أحب أن أجعل الأطفال سعداء وأرى تقدير الأهل لعملنا. كما آمل أن أتمكن من تطوير الحضانة إلى مستوى يجعلها الأفضل في المدينة وأوسّع نطاقها إلى محافظات عراقية أخرى”.

مطبعة البردى
“تسبب تنظيم داعش بإيقاف عملنا وخسرنا بذلك [كل شيء]، واضطررت للعودة إلى نقطة البداية”، هذا ما قاله نديم بردا، صاحب مطبعة البردى في الموصل، وأضاف: “لقد كان الأمر صعبًا على الجميع”.
تأسست المطبعة عام 1998، وتعمل في مجال قص أكياس النايلون والبلاستيك والورق المباعة للمطاعم والمخابز ومتاجر التجزئة والمصانع والطباعة عليها. وتعرضت الشركة لانتكاسة عام 2006 عندما أجبرت التوترات الطائفية العديد من العاملين المدربين من الأقليات على الفرار. ومع ذلك، تمكن نديم من إعادة تشكيل فريقه وإنقاذ المطبعة.
وعقب ذلك عام 2014، اجتاح التنظيم المنطقة، ما تسبب بتدمير المبنى الذي تتواجد به المطبعة جراء غارة جوية وانفجار سيارة مفخخة. وذكر نديم أنه كان يتواجد في الجانب المحرّر من الموصل عندما تلقى خبر تعرض مصنعه للنهب.
لقد كنت أعلم أن ذلك الجزء من المدينة خطير وأن مصنعي كان عرضة للخطر. وهرعت من الجانب الآخر من المدينة لرؤية ما تبقى من مصنعي، وكنت قد تفاديت رصاصة قناص وأنا في طريقي إلى المصنع.”
لقد استغرق الأمر خمس ساعات إلى حين وصوله، نظرًا لجهود المحررين المتواصلة في تقييد الحركة. وكما يذكر نديم :
“لقد كان الطريق أصعب بكثير مما تخيلت، لقد أخبروني أن المنطقة مليئة بالألغام الأرضية وأنني سأضطر إلى العودة على مسؤوليتي الشخصية”.
وعند وصوله إلى الموقع أخيرًا، كان جميع الناهبين قد غادروا المبنى المتضرر بعد أن انتشلوا ما فيه من محتويات.
“لقد كان ذلك اليوم بالتحديد صعبًا للغاية؛ فقد نُهبت جميع المواد الخام والأحبار والمواد المذيبة وحتى المنتجات الخاصة بالعملاء، فلم يبقى شيء سوى المحركات الثقيلة.”
بدأ نديم في إعادة بناء مشروعه، وبدأت البردى تدريجيًا باستئناف العمل عام 2019. وبعد فترة وجيزة، ضربت جائحة كوفيد 19 العالم بأسره، وأضرّت الإغلاقات ذات الصلة بإيرادات المطبعة ضررًا كبيرًا نظرًا لاعتماد مبيعاتها على النشاط الاقتصادي للقطاعات الأخرى. وأُجبر نديم على استخدام الأموال الزائدة التي كان يخطط لاستثمارها في إنشاء خط إنتاج جديد وحديث كي يظل المشروع واقفًا على قدميه في ظل هذه الأزمة الجديدة. ويقول هنا:
“شكّل انتشار فيروس كوفيد نكسة أخرى لمشروعي، حيث أثر الإغلاق والقيود المفروضة بشكل كبير على عملنا، وكان عام 2020 أسوأ فترة لنا، إذ ترتبت عليه خسائر كثيرة.”
وأخيرًا، قدم برنامج الاستثمار في شمال العراق لدعم الشركات الصغيرة والمتوسطة في ضوء جائحة كوفيد-19 للبردى رأس المال اللازم للتعافي من آثار الجائحة. ويقول نديم عن تأثير القرض على مشروعه:
“لقد طورنا خط إنتاج جديد، ما ساهم في تمكين مشروعنا من التنافس مع الدول المجاورة وتصنيع منتجات عالية الجودة وبيعها في سوق أوسع”.
وفي الوقت الراهن، تعمل البردى بشكل جيد وتضم فريقًا من خمسة أشخاص، ويعمل عبدالله في المطبعة منذ عام 2004، وقد عاد إلى وظيفته بعد غزو داعش وظل موظفًا فيها طوال فترة الجائحة، حيث يعيل زوجته وخمسة أطفال. ويقول:
“يشكل عملي هنا جزءًا كبيرًا من حياتي. وآمل أن أواصل عملي و(أربي) أطفالي”

مصنع الأنابيب البلاستيكية
أُجبر محمد* بالفعل على إعادة بناء تجارة عائلته من البداية من الصفر.
وبعد بيعه منتجات مستوردة لمدة خمس سنوات، كان فخورًا ببدء تصنيع الأنابيب البلاستيكية والمطاطية في بلدته الأم بالموصل، شمالي العراق، بيد أنه فقد كل شيء عندما اجتاح تنظيم داعش المدينة. ويقول محمد:
“تحول كل شيء إلى أنقاض بعد أن أصابت غارة جوية من قوات التحالف مصنعي ودمرت المبنى بالكامل حيث كان داعش في ذلك الوقت يستخدمه لشن هجماته وتخزين أسلحته”.
تمكن محمد من إعادة تشغيل المصنع بعد تحرير الموصل في 2017، وأعرب عن أمله في أن تكون بداية جديدة. ويضيف:
“هذه تجارة العائلة؛ فقد عملنا أنا وأشقائي الأربعة في المصنع لنحو ثماني سنوات، وهو يوفر سبل العيش الضرورية لنا ولعائلاتنا”، مؤكدًا “أهمية المصنع بالنسبة لنا للمحافظة على اسم العائلة، إذ تعد سمعتنا جزءًا مهمًا جدًا من تجارتنا”.
وفي العام 2020، واجه محمد وأشقاؤه انتكاسة أخرى غير متوقعة عندما تفشت جائحة كورونا في العراق. وقد أجبرت القيود التي فرضهتا جائحة كورونا محمدًا وأشقاءه على إغلاق المصنع لنحو ثلاثة أشهر. ويوضح قائلًا:
“لقد كانت فترة عصيبة، تكبد خلالها مصنعي خسائر كثيرة، وخشيت أن يجبرني ذلك على إغلاقه وكنت قلقًا من عجزي عن توفير سبل العيش لعائلتي”.
وكحال العديد من الشركات الصغيرة والمتوسطة الأخرى في العراق، عانت تجارة محمد من تراجع حاد في الإيرادات جراء تدابير الإغلاق التي فرضتها جائحة كورونا. وتشير سلسلة من الاستطلاعات شاركت فيها نحو 900 شركة صغيرة ومتوسطة عراقية وأجرتها المنظمة الدولية للهجرة، ومنظمة الأغذية والزراعة، ومركز التجارة الدولي إلى الأثر الحاد الذي خلفته الإغلاقات الإجبارية على الشركات الصغيرة على مستوى جميع القطاعات. وقال المشاركون في الاستطلاعات إن متوسط الخسائر بين فبراير ويونيو 2020 بلغ 67%. ورغم أن الإيرادات أظهرت انتعاشًا جزئيًا في وقت لاحق من العام إلا أنها لا تزال أقل بنسبة 23% في ديسمبر 2020 مقارنة بمستويات ما قبل الجائحة.

وكان مصنع محمد واحدًا من 23 شركة صغيرة ومتوسطة تلقت قرضًا إغاثيًا من خلال برنامج دعم الشركات الصغيرة والمتوسطة المتضررة من جائحة كورونا التابع لبرنامج الاستثمار في شمال العراق ومنح البرنامج، المدعوم من الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية من خلال هدية من الشعب الأمريكي، محمدًا التمويل الذي احتاجه من أجل دفع الرواتب وشراء المواد الخام لاستئناف العمليات التشغيلية. ويستخدم مصنع محمد البلاستيك المعاد تدويره فضلًا عن الجزيئات البلاستيكية التي يتم الحصول عليها من الموردين المحليين والدوليين. ويقول محمد:
“التمويل الذي تلقيته ساعدني في استدامة مصنعي وتعزيز التدفق النقدي فيه.”
كما أثرت أزمة فايروس كورونا بشكل كبير على قدْرة الشركات الصغيرة والمتوسطة العراقية على الاحتفاظ بالموظفين. ووفقًا للاستطلاع المذكور أعلامه، بلغ متوسط تخفيض عدد الموظفين 27% من فبراير إلى يونيو. ورغم أن إعادة فتح القطاعات الاقتصادية أتاح للشركات الصغيرة والمتوسطة، التي شملها الاستطلاع، إعادة الموظفين بعد يونيو، إلا أن معدلات التوظيف لم تبلغ بعد مستويات ما قبل جائحة كورونا. وبفضل القرض الإغاثي المقدم من برنامج الاستثمار في شمال العراق، يستمر مصنع محمد بتوظيف 14 شخصًا.
ويقول خليل، الذي يتولى الجانب الإداري للمصنع، إن الجائحة أثرت سلبًا عليه وعلى عائلته، إذ خشي من فقدان وظيفته كغيره من أفراد مجتمعه. ويضيف خليل: “كنت سعيدًا باحتفاظي بوظيفتي، إذ أصبح المصنع بمثابة منزل ثان بالنسبة لي”. وتابع: “كما أنني أحافظ على توفير سبل العيش للأشخاص [الآخرين] الذين يعملون في المصنع أيضًا”.
* لغايات الحفاظ على أمن عملائنا، نستخدم أسماء مستعارة.
مقهى A1
رغم توقع محمد ت. أنه سيتلقى تلك المكالمة في يوم ما، إلا أن وقع الصدمة وأثرها كان صعبًا عليه عندما اتصل به جاره ليخبره أن داعش دمرت مطعمه الواقع شمالي مدينة الموصل العراقية.
تلك الآنية أمريكية الطراز التي ساعدته في الترويج لمقهى A1 بين الطلاب والعاملين الشباب، ربما كانت سببًا أيضًا جعل من المقهى هدفًا لداعش التي فرضت سيطرتها على الموصل في يونيو 2014، وأدت إلى تهجير محمد وأسرته ونصف مليون شخص آخر من المدينة والمنطقة المحيطة بها في غضون أسبوعين فقط.
“ما أن دخلت داعش المدينة، حتى بتنا لا نجد طريقًا لنا سوى الهروب. لقد كان يومًا عصيبًا.” حسب وصفه.
ورغم خسارته لكل ما استثمره في عمله، يقول محمد إن حبه لعمله واحتياجات مجتمعه أجبراه على العودة إلى الموصل لإعادة بناء مقهى A1. ولكن جائحة كورونا (كوفيد-19) التي وقعت العام الماضي ألقت بالشك في نفسه تجاه قدرته على النجاح، سيما بعد أن أجبرته تدابير الإغلاق والحظر على إغلاق المقهى من منتصف مارس إلى يونيو 2020، وخشي محمد أن يضطر إلى إغلاق أعماله إلى الأبد.
“أكثر ما كنت أخشاه هو ألا أكون قادرًا على إعالة أسرتي.”

إلا أن القرض الذي حصل عليه من برنامج الاستثمار في شمال العراق لدعم المنشآت الصغيرة والمتوسطة في تلك الأزمة ساعده في تغطية رأس المال العامل لتشغيل المقهى ودفع أجرته ورواتب الموظفين. ويقول هنا:
“ساعدني القرض على إعادة تشغيل المقهى”
ورغم أن الحظر المسائي لا يزال يضر بالمطاعم في الموصل، إلا أن محمد يعتقد بأن الوضع أفضل بكثير الآن، ويرى أن المقهى قادر على تشغيل تسعة موظفين، منهم ثلاث نساء.
تعمل تمارة س. موظفة استقبال في المطعم منذ ثلاث سنوات، وتُشير إلى أن تأثير الوباء كان كبيرًا على مجتمعها وعلى سوق العمل بأكمله عمومًا. ولأنها تساعد والديها وأخواتها الثلاث، فإنها سعيدة لقدرتها على العمل رغم الوباء. وتعقيبًا على ذلك، تقول:
“هذا العمل مهم جدًا بالنسبة لي، خصوصًا بعد أن قضيت شهرين في المنزل وظننت أنني خسرت عملي”.
أجرت منظمة REACH الإنسانية استطلاعًا في منطقة مركز الموصل في مارس 2021 توصلت من خلاله إلى أن الحاجة الأساسية الأكثر شيوعًا التي تحدث عنها أفراد المجتمع هي سبل العيش، وذلك بسبب قلة فرص العمل في القطاعين العام والخاص. وتبين أنه أكثر التدخلات المطلوبة لتشجيع عودة أكثر من 251,000 شخص لا يزالون نازحين من المنطقة، بحسب الأمم المتحدة. وهذا يعني أن تنشيط الشركات الصغيرة، كمقهى A1، ودعمها ماليًا لا يقل أهمية عن إنشاء البنية التحتية والمباني في المدينة، لمساهمته في إعادة بناء الموصل وحياة سكانها.

مطعم هزير
بعد أن أُجبر أحميد س. على الفرار من بلدته التي تقع في مدينة سنجار العراقية عندما اجتاحتها داعش، بدأت أسرته بالتفكير في مغادرة البلاد بلا رجعة.
ينتمي أحمد للطائفة اليزيدية، وهي أقلية سكنت منذ التاريخ في سنجار، وتعرضت للاضطهاد والعنف عندما سيطرت داعش على المنطقة في عام 2014. ولقد لخص تحقيق أجرته الأمم المتحدة وصدر في مايو 2021 إلى أن العنف الذي مارسته داعش ضد اليزيديين يرتقي ليكون إبادة جماعية وجريمة حرب.
ويُشير أحمد إلى إن وصف ما أقدمت به داعش بحق اليزيديين أمر مستحيل، إذ قال: “لا أستطيع أن أعبر عنها بالكلمة أو الفكرة؛ تخيل أن من نجا من القتل أو الاختطاف أو الاغتصاب، كان مصيره التهجير والتشريد، ومن نجا من الاغتصاب الجسدي، لم يسلم من الاغتصاب النفسي”.

ولكن بدل المغادرة والرحيل، اختار أحمد العودة إلى سنجار في عام 2019 لافتتاح مطعم هزير، إذ قال في هذا الصّدد: “فكرت في إعادة إحياء المجتمع الذي أنتمي إليه، إلا أن أكبر مشكلة واجهتني تمثّلت في إنفاق الكثير من المال في منطقة لم يعد إليها سوى 5% من سكانها. ولكنني تمكنت بافتتاحي للمطعم من توجيه رسالة واضحة مفادها أن المنطقة ستتعافى من جديد”.
وبالفعل، سرعان ما أصبح مطعم هزير موقعًا مشهورًا للمنظمات غير الحكومية التي تعمل على إعادة بناء سنجار، إذ تستضيف فيه ورش العمل والمؤتمرات. وكان المطعم مؤشرًا واضحًا لإعادة الحياة إلى طبيعتها في سنجار، سيما بعد أن أصبح يقدم وجبات البوفيه، وبني فيه مسرح للموسيقى الحية التي تُعزف في عطلات نهاية الأسبوع. ولكن بعد تسعة أشهر من افتتاحه، أنهت جائحة كورونا (كوفيد-19) كل هذه الأنشطة فجأة.
يقول أحمد إن الأزمة أضرّت بأعماله ضررًا شديدًا، وذلك لأن القوانين أجبرته على الإغلاق منذ منتصف إبريل وحتى سبتمبر من عام 2020. وبحديثه عن شعوره في ذلك الوقت يقول: “انتابني شعور سيء للغاية، وخفت ألا تعود سنجار إلى ما كانت عليه مرة أخرى وألا يعود إليها أهلها”.
قدمت شركة غروفن للاستثمارات شمالي العراق، وبدعم من الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية ، تمويلاً قدره مليونًا ونصف مليون دولار لتمويل الشركات الصغيرة في شمالي العراق وتمكينها من التعافي بعد جائحة كورونا (كوفيد-19). وحصل هزير على قرض دعم من خلال البرنامج لسداد ديونه التي تراكمت عليه خلال فترة الإغلاق وتمكينه من العودة إلى العمل.
نتيجة لذلك، يواصل المطعم اليوم توظيف 13 شخصًا، ويُشير أحمد س.، المدير العام للمطعم، إلى أن الكثير من سكان سنجار فقدوا وظائفهم ومصادر عيشهم بسبب الأزمة، إذ يقول “لذلك من المهم جدًا بالنسبة لي أن أحافظ على عملي وأن أسعى إلى توسعته بعد الأزمة، وآمل أن يتمكن معظم المهجرين من سنجار من العودة إليها في المستقبل”.
وبحسب الأمم المتحدة، فما يزال هناك نحو 200 ألف نازح داخلي من المناطق المحيطة بسنجار، وما يزال الدمار في بعض المناطق، فضلاً عن ضعف البنية التحتية والخدمات، كالرعاية الصحية والكهرباء والمياه والصرف الصحي، حائلاً دون عودة الكثيرين إلى ديارهم. وقد تؤدي مشاريع صغيرة، على غرار مطعم هزير، دورًا محوريًا في إعادة بناء المدينة واقتصادها بتوفير فرص العمل والخدمات لتمكين الكثيرين في نهاية المطاف من العودة إلى بلداتهم.


صالون “لوما ستايل”
لم يقتصر الأثر الشديد الذي ألحقته جائحة كورونا (كوفيد-19) بالشركات الصغيرة والمتوسطة بالعراق على الإضرار بالتوظيف الكلي في الدولة، لكنها أدّت أيضًا إلى تفاقُم الفجوة بين الجنسين على صعيد التوظيف.
ولقد أشارت دراسةٌ أجرتها كل من المنظمة الدولية للهجرة ومنظمة الأغذية والزراعة ومركز التجارة الدولية على 900 شركة صغيرة ومتوسطة في شتّى أرجاء العراق إلى أن الفجوة في التوظيف بين الجنسين في هذه الشركات قد اتّسعت بمقدار 30 نقطة مئوية. وفي فبراير، بلغت نسبة النساء العاملات إلى الرجال العاملين 1 إلى 13. وبعد إجراء بحث في نهاية يونيو، تبيّن أن هذه النسبة قد ازدادت لتُصبح 1 إلى 17. وأشارت الشركات الصغيرة والمتوسطة التي شملتها الدراسة المسحية إلى انخفاض مستويات التوظيف بدوام كامل بنسبة 27%.
يُعد صالون “لوما ستايل” الذي يُمثّل أحد الصالونات الراقية المتخصصة في التجميل وتصفيف الشعر في مدينة أربيل في شمال العراق، إحدى الشركات المملوكة للنساء وواحد من المشاريع الصغيرة والمتوسطة التي تُوظّف النساء والتي اضطُرّت لخفض عدد طاقمها الوظيفي نظرًا لأثر الجائحة. ولقد أُجبر الصالون الذي يُقدّم مجموعةً من المنتجات والعلاجات التجميلية مثل تجميل الأظافر، والباديكير، وعلاجات الوجه، والتدليك، وإزالة الشعر بالشمع على الإغلاق في منتصف مارس من عام 2020، وأدّت التدابير المتّخذة أثناء الجائحة والتي تستهدف قطاع التجميل إلى عدم التمكُّن من إعادة افتتاح الصالون قبل نهاية مايو. وعلى الصعيد العالمي، تأثرت قطاعات متعددة مثل التجميل والضيافة والتعليم والرعاية الصحية، التي تتّجه إلى توظيف عدد أكبر من النساء، تأثُّرًا غير متكافئ مع الجائحة.

تعتنق السيدة لوما، وهي صاحبة الصالون، المسيحية، وتنتمي إلى أقليّة في شمال العراق، وتنحدر أساسًا من بلدةٍ تُدعى “كرملش”. ولقد أُجبر سُكّان هذه البلدة على الفرار منها عندما سيطر تنظيم داعش الإرهابي عليها في عام 2014. وتجدر الإشارة إلى أن لوما استهلّت مشروعها في عام 2017، لكنها تقول أنها تخشى أن تضطر لإغلاقه إغلاقًا دائمًا عندما تركت إجراءات الإغلاق هذا المشروع غير قادرٍ على إدرار أي دخل. ومن المرجّح أن تنخفض العوائد التي تحققها لوما هذا العام بنسبة 40% مقارنةً بما حقّقته في عام 2019. وتعقيبًا على ذلك، تقول: “إن التكاليف المتراكمة تضعنا تحت ضغطٍ هائلٍ في وقتٍ لم يتمكّن فيه المشروع من تحقيق أي ربح. ولقد انتابني شعورٌ بأنني سأضطر لإغلاقه في لحظة ما”.
اضطرت لوما إلى الاستغناء عن ثلاثةٍ من موظفيها وتخفيض الرواتب لديها إلى النصف. وما زاد الطين بله أنها أُصيبت هي وأُسرتها بفيروس كورونا. وبفضل قرضٍ إغاثيٍّ قدّمه برنامج الاستثمار في شمال العراق لدعم الشركات الصغيرة والمتوسطة المتضررة من جائحة كورونا، تعتقد لوما الآن أنه بإمكان مشروعها التعافي، وأنه ينبغي أن تكون قادرةً على الوصول إلى نقطة التعادل في نهاية 2020. وبهذا الصّدد، تقول: “سيساعدني القرض على تغطية تكاليف الإيجار والرواتب وتكلفة المواد الخام لأكون قادرةً في نهاية المطاف على مواصلة عملي وتجنب المخاطر في هذا الوقت الحرج. وآمل أن أتمكّن من تنمية مشروعي وجعله مستدامًا على المدى الطويل”.
يهدف هذا التمويل إلى جعل صالون لوما ستايل قادرًا على مواصلة توظيف تسعة أفراد، منهم ثمان نساء. تعمل لبنى، وهي شقيقة لوما، مُصفّفةً للشعر في الصالون، وهي تدعم زوجها وطفليها ماليًا. وتُشير إلى أنها تأمل بمواصلة العمل مع شقيقتها، إذ تقول: “أعتمد على هذه الوظيفة في تغطية تكاليف معيشتي ومعيشة أُسرتي”.

مطعم “لا دولتشي فيتا”
أمضت شادي في أوروبا أكثر من 10 سنوات، لكنها عندما قرّرت افتتاح مطعمها الخاص تبيّن لها أنه لا بد من العودة إلى مسقط رأسها في شمال العراق. وبهذا الصدد، علقّت شادي قائلةً: “لقد دمّر تنظيم داعش اقتصاد كردستان، وساهم في زيادة معدّلات البطالة، ما ولّد في نفسي دافعًا للعودة وتحدّي نفسي، بصفتي امرأة، لإقامة مشروعي الخاص رغم أنني مُحاطة بمجتمع يسوده الرجال”.
تنتمي شادي إلى طائفة الشبك التي تُعد إحدى الأقليّات التي اضطهدها تنظيم داعش عندما سيطر على شمال العراق عام 2014. وبعد طرد التنظيم من الدولة في عام 2017، عادت إلى مدينة أربيل وأسّست مطعم “لا دولتشي فيتا” الذي يقع في الحي التجاري الثري في المدينة، ويُقدّم مجموعةً متنوعةً من المأكولات العربية والكردية التقليدية الراقية بالإضافة إلى الأطباق الغربية. وبعد مضي ثلاث سنوات، تمكّنت شادي من أن تبقى السيدة الوحيدة المالكة لمطعم من بين 20 مطعمًا في المنطقة. وتعقيبًا على ذلك، تقول: “ينتابني شعور بالفخر للمنافسة [مع هذه المطاعم] وتقديم مأكولات تقليدية من المطبخ العراقي الراقي”.

لكن عندما عمّت جائحة كورونا (كوفيد-19) أرجاء العراق، واجهت شادي أكبر تحدّ تجاري طوال حياتها، فلقد أجبرت إجراءات الإغلاق التي فُرضت في أربيل في منتصف مارس من عام 2020 المطعم على الإغلاق، إذ أنها لم تتمكّن، على غرار البارات والمطاعم الأخرى، من إعادة فتح المطعم بالكامل قبل سبتمبر من ذات العام. وكان ذلك بمثابة ضربةٍ مدمّرةٍ للعمل التي تُرِكت دون تحقيق أي إيرادات لستّة أشهر. كافحت شادي لتغطية التكاليف المترتّبة مثل تكاليف الإيجار والكهرباء والرواتب، ما دفعها للاستغناء عن خمسة موظفين وخفض رواتب باقي موظفيها، بمن فيهم النازحين السوريين، بنسبة 50%.
لم يدُم هذا الحال طويلًا، فلقد أصبح المطعم نابضًا بالحياة من جديد بعد أن حصل على تمويلٍ من برنامج الاستثمار في شمال العراق لدعم الشركات الصغيرة والمتوسطة المتضررة من جائحة كورونا، إذ أتاح هذا القرض للمطعم فرصة تغطية نفقات الرواتب والإيجارات وتكلفة المبيعات لإعادة افتتاحه من جديد. وفي تعقيبٍ لها، تقول شادي: “حصلت على هذا القرض في مرحلةٍ حرجةٍ للغاية لأنني كنت على الأرجح سأضطر لإغلاق مشروعي، لكن هذا القرض أعاده إلى الحياة من جديد”.
بمقدور المطعم الآن مواصلة توظيف 11 فردًا، بما فيهم 5 نساء، إحداهُنّ كالي، وهي أمٌّ في ريعان شبابها تعيش بمفردها وتُعيل طفليها في الثانية والرابعة من العمر. تعمل كالي في المطعم منذ عام 2017، وتُعرب عن رأيها بالعمل فيه قائلةً: “أشعر بأنني محظوظةٌ لأنني تمكّنت من الحفاظ على وظيفتي أثناء هذه الجائحة في الوقت الذي فقد الكثير من الأفراد وظائفهم، وآمل أن أواصل العمل حتى أتمكن من إعالة أسرتي وإرسال أطفالي إلى المدرسة لمواصلة تعليمهم”.

مدرسة المبدعون الابتدائية الأهلية
كيف ساعد التعليم الإلكتروني هذه المدرسة العراقية على الصمود في ظل أزمة كورونا
عندما وصلت جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) الى العراق، ما كان لأي مدرسة أن تكون أكثر استعدادا للتحول نحو التعلم عبر الإنترنت من مدرسة المبدعون. أُسست المدرسة عامَ 2008، وتعتبر واحدة من أفضل المدارس الأهلية في الموصل،؛ إذ استطاعت دمج أدوات التعليم الإلكتروني في قاعاتها الصفية في المراحل الأولى من انطلاق العملية التعليمية فيها.
تعتمد مدرسة المبدعون مناهج دراسية تَنم عن عقلية خلاقة، فإلى جانب المنهاج الوطني للصفوف الإبتدائية، يدرس الطلاب مواد إضافية باللغتين الانجليزية والفرنسية، علاوةً على بعض المواد التي تطرح رؤى مستقبلية، وقد طرحت المدرسة كذلك برامج لتعليم وسائل تطوير الروبوتات للصفين الخامس والسادس، كما أوفدت معلميها إلى الخارج للإلتحاق بدورات تدريبية حول الذكاء الاصطناعي. هذا وقد عَمِدَت المردسة إلى طرح مادة الدراسات البيئية التي تتمحور حول موضوع الاستدامة كمادة اختيارية.
اضطرت المدارس العراقية إلى إرسال طلبتها إلى بيوتهم في آذار من عام 2020؛ وذلك في ظل التشريعات التي سنتها الحكومة العراقية للحد من انتشار مرض فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19). لم تواجه مدرسة المبدعون أية صعوبات أو عراقيل عند اعتمادها للتعليم الإلكتروني، كونه جزءا من عمليتها التعليمية فيما قبل جائحة الكورونا.
“نواصل تقديم الدروس لكافة طلبتنا عبر منصة مدرستنا الافتراضية، كما انضممنا إلى المنصة الحكومية المخصصة لإرسال الواجبات المدرسية وإجراء الاختبارات“. هذا ما قاله د محمد نجيب عبد الموجود – رئيس مجلس إدارة المدرسة.

إلا أن التبعات الاقتصادية لهذه الجائحة قد امتدت لتطال قدرة الأهالي على دفع الرسوم المدرسية، ولا سيما في ظل الحظر الذي استنزف دخل الأُسر العراقية. وفي الوقت ذاته أعلنت وزارة التربية و التعليم العراقية عن قرار يقضي بخفض رسوم المدارس الخاصة بنسبة 10%، وبهذا أصبح لمدرسة المبدعون رصيد من الذمم مستحقة القبض وهو أمر لم تشهده قطّ. يقول محمد “لقد أثر هذا الأمر سلبًا على قدرتنا على الوفاء بالتزاماتنا المالية في وقتها“.
تؤدي المدارس الخاصة دورًا مهما في نظام التعليم العراقي نظرًا إلى تدهور جودة التعليم في المدارس الحكومية وتردي مرافقها؛ إذ لا يزال قطاع التعليم في مدينة الموصل يتعافى من تبعات الفترة التي خضعت فيها المدينة لسيطرة تنظيم داعش وشهدت خلالها تدمير العديد من المدارس. وحيث أن أعداد الطلبة في المدارس الحكومية يتراوح ما بين الستين إلى ثمانين طالبًا في الغرفة الصفية الواحدة، توجهت الكثير من الأسر العراقية إلى تسجيل أبنائها في المدارس الخاصة، من أمثال مدرسة المبدعون.
تقدم شركة جروفن لاستثمارات شمال العراق، بدعمٍ من الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية تمويلًا بقيمة 1.5 مليون دولار لمساعدة الشركات الصغيرة في شمال العراق على الصمود في ظل جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19).
يعمل في المدرسة 58 موظفًا، منهم 48 إمرأة. بفضل هذا التمويل، سيكون بوسع المدرسة من خلال تمويل المقدم من استُثمارات شمال العراق دفع رواتب موظفيها وتغطية المصاريف الاخرى إلى أن يتمكن الأهالي من دفع الرسوم المدرسية المتبقية. وقد أشار محمد: “سوف نخصص التمويل الذي قدّمته لنا شركة جروفن لسداد التزامات المدرسة المالية الناجمة عن الأزمة، وكما سيتم تخصيص جزء من هذا المبلغ للارتقاء بمستوى أدوات التعلم عن بعد واعتماد تقنيات وبرامج أكثر تطورًا“.

ميا بيلا صالون

نزحت شيلان اشكي مع عائلتها من نينوى عندما اجتاحها تنظيم داعش في عام 2014. وعاشت في إربيل حيث فتحت صالون ميا بيلا للتجميل عام 2018 مع شريكتها جوليا كولينسيكوفا. بدأ الصالون عمله مركزًا فقط على العناية بالأظافر ووظف أربع سيدات. واستمرت السيدتان المؤسستان بتطوير أعمالهما عن طريق إضافة خدمات تصفيف الشعر وغيرها من خدمات العناية بالجمال.
بلغ عدد الموظفين لدى صالون ميا بيلا 9 موظفين وكان مستعدًا لفتح فرع جديد في الموصل ولكن ظهرت الجائحة. وكانت إجراءات الإغلاق تعني أنه يجب إغلاق صالون ميا بيلا لمدة 75 يومًا – أي دون تحقيق أية إيرادات. تلقت الشركة مبلغ 50 ألف دولار أمريكي كنوع من التمويل عن طريق برنامج دعم كوفيد-19 من استثمارات شمال العراق. إن هذا التمويل سيتيح المجال أمام صالون ميا بيلا للاستمرار بالعمل والمحافظة على موظفيه، ومنهم هارزين علي البالغة من العمر 21 عامًا التي تعمل في الصالون بوظيفة مصففة شعر.
بناءً على مسح الذي أجرته منظمة العمل الدولية في شهر يونيو من هذا العام، فقد كانت معدلات البطالة قبل ظهور جائحة كوفيد-19مرتفعة حيث بلغت 28% بين النساء و42% بين الرجال وخصوصًا في إقليم كردستان العراق. والآن تؤثر الجائحة بشكل غير متناسب على العمال الشباب في العراق، فقد تم الاعلان عن تسريح 36% من العمال من الفئة العمرية من 18 إلى 24 بشكل دائم.
قالت هارژين: “إن إيجاد عمل هنا أمر في غاية الصعوبة، وأصبحت البطالة مشكلة كبيرة بالنسبة إلى الطلاب. فغالبًا ما يجد الشباب أنفسهم محاصرين بين التعليم وسوق العمل العقيم”. كانت تلك الوظيفة هي الأولى بالنسبة لها وكانت شاكرةً لتمكنها من الاحتفاظ بها. “تمكنني وظيفتي من دفع أقساط جامعتي ومساعدة والدتي. كما أنها تمنحني الثقة بنفسي لأدرك أن بإمكاني مواجهة أي شيء في هذه الحياة”.

رواد أعمال مسيحيون يعملون على إعادة إحياء بخديدا
استيقظت أسرة كرم كاجو على أصوات مدافع الهاون، واستمر القصف نصف ساعة، لم يفارق القلق والدته خلالها؛ فقد كان كرم متوجهًا إلى السوق لشراء الخبز عندما اتصل به والده. “طلب مني العودة إلى المنزل بسرعة. وفي الطريق، رأيت سيارة مليئة بجثث الأطفال. وما أن وصلت إلى المنزل، حتى قيل لي أن مدفعًا ضرب منزل جيراننا سقطت على إثره سيدة وثلاثة أطفال.”
وعندها، أدرك كرم وعائلته ضرورة ترك منزلهم في بلدة بخديدا التي تقع شمالي سهل نينوى في العراق. ولحسن الحظ، تملك أسرته منزلاً صيفيًا يبعد 100 كم إلى الشرق من عقرة. خمس ساعات من الانتظار في حرارة السيارة للمرور من نقطة التفتيش كانت الأصعب على والده المسن. استغرق الأمر أكثر من ثماني ساعات للوصول إلى عقرة. “صبيحة اليوم التالي، جاء عمي وأخبرنا أننا فقدنا كل شيء بعد أن سيطر تنظيم داعش على المدينة، كل شيء! ولم تبق لنا إلا الذكريات.”
وبحسب تقارير لجنة إعادة إعمار نينوى، دمر تنظيم داعش ونهب أكثر من سبعة آلاف منزل في بخديدا، وبعد أن كانت تضم أكبر تجمع مسيحي في العراق – إحدى الأقليات التي استهدفها داعش – خلف التنظيم وراءه دمارًا يعجز المرء عن التعرف على المدينة بعده؛ فقد تدمر المقهى الناجح الذي أسسه في المدينة، وغدت خططه التي وضعها مع إخوته وأصدقائه لإنشاء مصنع جديد محض أمنيات.
بدأ كرم مسيرته المهنية عام 2003 صحفيًا في الصحيفة المحلية أثناء دراسته في الموصل، وعندما بدأ تنظيم القاعدة بتهديد الصحفيين والمسيحيين على السواء وقتلهم، أصبح كرم معرضًا للخطر لهذين السببين. ولكن مضى عازمًا على إنهاء دراسته وتخرج في 2008. “أحرص دائمًا على بناء نفسي بالتوجه نحو التعليم، وكان التخرج من الجامعة مهمًا بالنسبة لي – وإن كان خطيرًا؛ لأنه سلاح يساعد على مواجهة المستقبل.”
وفي السنوات التالية، عمل في قطاع أمن الطيران، ثم معلمًا في مدرسة دولية، قبل أن ينشئ مقهى خاصًا به. ويقول كرم إنه تعلم دروسًا مهمة من كل مهنة مارسها، ويضيف: “تعلمت كيف أشكّل فريقًا، وأدير العمليات، وأحل النزاعات، وأعمل وفق الموعد المحدد وتحت الضغط.”
واليوم، وبعد أكثر من خمس سنوات على ذلك الصباح الذي أجبرت فيه عائلته على ترك منزلها، يعمل كرم وشركاؤه الثلاثة على تفعيل خططهم لتجديد المقهى وتشغيله مرة أخرى؛ دون أن يتخلى عن طموحه في أن يكون له دور أكبر في إعادة بناء بخديدا، وإحياء مجتمعه.
ويمر كرم حاليًا في مرحلة التقييم للحصول على تمويل من برنامج الاستثمار شمالي العراق لإنشاء مصنع لإنتاج المناديل الورقية. “نسعى إلى تحويل السوق المحلية من سوق تقوم على التجارة فقط إلى سوق يزدهر فيها البناء، ونريد أن نجذب الاستثمارات إلى المنطقة مرة أخرى.”

ويرغب كرم كذلك في أن يساهم المصنع الجديد في خلق فرص عمل في بخديدا؛ “فهناك نقص كبير في فرص العمل، ولا شك بأن بناء مصنع يوفر عشرات الوظائف سيكون دافعًا كبيرًا للمدينة.” ومن المتوقع أن يولد المشروع 23 فرصة عمل جديدة، 14 منها للعمال غير المهرة أو شبه المهرة.
ويأمل الشركاء في جمع رأس المال الخاص بهم، والحصول على التمويل المطلوب لتأمين الإيجارات وشراء المواد الخام والمركبات والمعدات اللازمة لإنشاء خط الإنتاج الأول. ولكن تظل البنية التحتية السيئة وضعف إمدادات الكهرباء، وقلة الموظفين المهرة من التحديات الأخرى التي سيواجهونها، ولكن يعتقد الشركاء أن حجم الطلب في المنطقة كبير بما يكفي ليتمكنوا من إنشاء أربعة مصانع للإنتاج ولتوسيع نطاق أعمالهم، كما أنه لا يوجد منافسون لهم في محافظة نينوى حاليًا.
ويرى كرم أن العمل الجماعي مهم لتحقيق النجاح، وينظر إلى الشراكة على أنها مصدر لتعزيز مكانة المشروع، “نحن نكمِّل بعضنا، فالشركة بحاجة إلى الكثير من الجهد والوقت والعلاقات؛ وأربعة أشخاص أفضل من شخص واحد، وأربعة آراء أكثر حكمة من رأي واحد.”
وإذا ما صدرت الموافقة على تمويل المشروع من خلال البرنامج، سيستفيد كرم وأسرته من الدعم المستمر والخدمات الاستشارية التي تقدمها جروفن لمساعدتهم في بناء شركة مستدامة، وإعادة إعمار مدينتهم، وبث الروح في حياتهم.


