
لماذا يواجه رواد الأعمال العراقيون صعوبات في الحصول على التمويل؟
يعد الحصول على التمويل تحديًا شاملًا بالنسبة لمعظم الشركات الصغيرة والمتوسطة، بصرف النظر عن موقعها. ومع ذلك، ينطوي النظام المالي في العراق على تحديات فريدة تضع عقبات أكبر أمام رواد الأعمال الذين يحاولون تأسيس الشركات أو تنميتها.
إن أكبر عقبة يواجهها رواد الأعمال العراقيون في الحصول على التمويل هي الانخفاض الكبير للمعدل انتشار الخدمات المصرفية في البلاد. وبحسب قاعدة بيانات المؤشر العالمي للشمول المالي، فإن نسبة البالغين في العراق ممن يملكون حسابًا مصرفيًا بلغت نحو 19% فقط في العام 2021. علاوة على ذلك، اقترض نحو 4% من فقط من البالغين في العراق المال من مؤسسة مالية أو استخدموا خدمات الدفع عبر الهاتف المحمول في ذلك العام.
ويقول كبير مديري الاستثمار في شركة “جروفن العراق”، عبد الغني الحسني، إن العراقيين لا يثقون كثيرًا في البنوك لـ”أسباب تاريخية”. ويضيف الحسني: “في العام 1990، واجه العراق عقوبات دولية صادرة عن مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة، والعديد من الدول منعت بموجيها العلاقات المالية والتجارية معنا؛ وقد أضر ذلك بشكل كبير بالاقتصاد وبدأ الأفراد بسحب أموالهم من البنوك”. ويوضح الحسني أن البنك المركزي العراقي، ولمواجهة هذه الأزمة، وجه البنوك برفض السحوبات النقدية، الأمر الذي أوجد حالة من عدم الثقة، لا تزال متجذرة حتى اليوم.
ويقول الحسني إن هذه الحالة أوجدت نظامًا مصرفيًا لا يزال متخلفًا ويفرض مجموعة من التحديات التشغيلية على الشركات. وعلى سبيل المثال، يمتلك العراق عددًا قليلًا نسبيًا من البنوك العاملة في البلاد، إلى جانب عدد محدود من الفروع التي تقدم خدماتها للسكان. علاوة على ذلك، تعمل معظم هذه الفروع حتى الساعة 12:00 أو 13:00 يوميًا فقط، كما أن عدد أجهزة الصراف الآلي في البلاد منخفض للغاية، ما يعني أنه يتعين على الأفراد المرور بإجراءات طويلة لسحب الأموال. ويضيف الحسني في هذا الصدد أنه ورغم براعة المواطنين في استخدام التقنيات، لا تزال الخدمات المصرفية الإلكترونية في العراق متأخرة، كما أن رواد الأعمال العراقيين محرومون من سهولة تنفيذ المعاملات التي يعتبرها نظراؤهم في أماكن أخرى من العالم أمرًا اعتياديًا”.

يشير تقرير بحثي صدر في سبتمبر 2021 عن معهد الدراسات الإقليمية والدولية إلى أن هذه التحديات تعني أن غالبية الشركات الصغيرة والمتوسطة في العراق تعمل “خارج الشبكة” وخارج النظام المصرفي العالمي. وبالنسبة للشركات التي ترغب في فتح حساب مصرفي، فإن العملية التي عليهم خوضها تتسم أيضًا بالتعقيد، إذ يتعين على جميع الشركات التسجيل لدى غرفة التجارة في مناطقها قبل أن تتمكن من فتح حساب مصرفي للشركات. وتتطلب عملية التسجيل، في المقابل، من الشركات امتلاك مبنى للأعمال (ليس منزلًا)، ومحاميًا ومحاسبًا معتمدين متاحين في جميع الأوقات.
ويؤكد الحسني أنه “في ظل هذه البيئة، تعد قيمة برنامج مثل صندوق أورنج كورنرز للابتكار الذي يمكن أن يوجه رواد الأعمال ويساعدهم في تطوير شركاتهم الناشئة هائلة، إذ لا يحتاج رواد الأعمال العراقيون إلى الدعم في تطوير خطط أعمالهم وأفكارهم فحسب، بل أيضًا إلى التعامل مع بيئة مليئة بالتحديات بالنسبة للشركات الفتية”
في إطار صندوق أورنج كورنرز للابتكار، تقدم شركة “جروفن العراق” ورش عمل وجلسات تدريب فردية لما يقرب من 100 رائد أعمال، يشاركون في برنامج حاضنة أورنج كورنرز للأعمال في أربيل. وسيقدم البرنامج مساعدة مالية إضافية ودعمًا إلى مجموعة مختارة من المشاركين في حاضنة الأعمال، يهدفان في الوقت ذاته إلى تزويد جميع المشاركين بالمهارات التي يحتاجونها لتحويل أفكارهم إلى شركات ناشئة ناجحة يمكن عرضها على ممولين محتملين آخرين للمساهمة فيها.
ويختم الحسني بالقول: “الوصول إلى التمويل لا يعد أمرًا حاسمًا لتمكين الشركات الناشئة من النمو فحسب بل أيضًا لضمان نجاح رواد الأعمال الذين يقفون وراءها؛ فالشركات الصغيرة هي المسؤولة عن إيجاد الغالبية العظمى من الوظائف في القطاع الخاص بالعراق، وبالتالي، فإن ضمان قدرة هذه الشركات على الوصول إلى التمويل – أو الأدوات التي تحتاجها للحصول على هذه الإمكانية – أمر بالغ الأهمية في تعزيز النمو الاقتصادي وزيادة فرص العمل في العراق”.

KESK – شركة حلول خضراء
تفاقمت مشكلة انقطاع الكهرباء في العراق خلال السنوات الأخيرة، فقد أصبح انقطاع التيار الكهربائي حاليًا جزءًا من الحياة اليومية وهو يؤثر على المواطنين من كل الطبقات، في دولة يمكن أن تصل فيها درجات الحرارة في فصل الصيف إلى 48 درجة مئوية أو أكثر. وتعتبر شبكة الكهرباء العراقية غير المستقرة غير كافية لتلبية الطلب المرتفع على الطاقة، ما يمنح المواطنين العراقيين ساعات قليلة فقط يوميًا من الكهرباء ليتسنى لهم تبريد منازلهم. رائدة الأعمال، باسمة عبد الرحمن، وجدت طريقة لمعالجة هذه المشكلة من خلال إنشاء شركة KESK، وهي أول شركة عراقية مختصة بالتكنولوجيا الخضراء.
تعمل KESK على الربط بين تقنيات الطاقة الخضراء والحوسبة السحابية لبناء مشاريع طاقة بديلة. وقد بدأت عملياتها في نوفمبر 2019 وهي تقدم خدمات هندسة الطاقة الخضراء، ومنتجات الطاقة الشمسية الذكية، وخدمات المراقبة عن بعد للعملاء مثل الحكومات وشركات النفط والغاز والمنظمات الدولية بالإضافة إلى العملاء الأفراد من مختلف المناطق.
وُلدت فكرة إنشاء KESK عندما قررت باسمة العودة إلى مسقط رأسها في مدينة أربيل بعد حصولها على درجة الماجستير في الهندسة الإنشائية بالولايات المتحدة الأمريكية. وتقول باسمة في هذا السياق:
عندما كنت أدرس للحصول على درجة الماجستير، أدركت أن لدي شغفًا كبيرًا بحماية البيئة والتخفيف من آثار تغير المناخ – وأردت أن أفعل شيئًا متعلقًا بها.
وما زلت أذكر الحماس الذي شعرت به عندما سمعت للمرة الأولى عن المباني الخضراء، ما دفعني إلى دراسة تخصص الريادة في تصميمات الطاقة والبيئة (ليد) وحصلت على شهادة اعتماد “ليد” من المجلس الأمريكي للأبنية الخضراء، ما يعني أنه بإمكاني اعتماد أو تشييد مبانٍ جديدة لتلبية معايير المباني الخضراء. وعندما أردت القيام بذلك في بلدي الأم، لم يرغب أحد في الاستثمار في المباني الخضراء، ولم يؤمن أحد بهذا المفهوم. ووصلت إلى مرحلة أدركت خلالها أنه ربما يتعين أن أكون أنا الشخص الذي يفعل ذلك. وفي العام 2018 أسست الشركة كشركة استشارية للمباني الخضراء”.

كان من الصعب بما فيه الكفاية البدء بمشروع تجاري في بيئة سياسية غير مستقرة، ولكن، إضافة إلى ذلك، مثلت الشركة مفهومًا جديدًا تمامًا بالنسبة للعراقيين وقطاعًا يهيمن عليه الذكور – وواجهت الشركة الناشئة التي أطلقتها امرأة مجموعتها الخاصة من التحديات. ومع ذلك، لم تستسلم باسمة أبدًا واعتمدت على نفسها ودافعت عن فكرتها ونموذج عملها.
وتضيف باسمة: “كوني امرأة، كان هناك تصور بأنني لن أكون قادرة على التعامل مع تحديات إدارة شركة في هذا المجال. وأصبحت الأمور أسهل قليلاً عندما وجدت أول من آمن بالمشروع – العميل الأول. كان من الصعب بالنسبة لي أيضًا أن أجمع فريقًا يؤمن برؤيتي ويتبع خطتي، خاصة عند متخصصين ذكور – لم يستطع بعضهم تحمل فكرة العمل لدى امرأة، وهذا أمر مؤسف “.


وتتابع: “عندما انتشرت جائحة كوفيد 19، كان علينا مراجعة احتياجاتنا الفورية. وعندها أدركنا أن خدمات المباني الخضراء مثالية للعملاء الدوليين، ولكن لا يمكن تبنيها على الفور من قبل الجمهور العام. وقد شملت معظم الطلبات، التي كنا نتلقاها من العملاء، مساعدتهم في حلول الطاقة الشمسية. لذلك، بدأنا في التحول إلى شركة حلول خضراء وقدمنا للسوق مكيفات هواء شمسية لأن لدينا مشكلة كهرباء كبيرة في العراق “.
تعد صعوبة الوصول إلى مقدمي الخدمات الموثوق بهم والمنتجات عالية الجودة من التحديات الرئيسية لتطوير الطاقة الشمسية في العراق. ومن أجل تلبية احتياجات الناس من إمدادات الطاقة على مدار الساعة وطوال أيام الأسبوع، يتعين تحويل نصف استهلاك الأسرة على الأقل إلى مصادر أخرى للطاقة. وبما أن 60% من استهلاك الأسرة العراقية موجه نحو وحدات تكييف الهواء، فإن مكيفات KESK الشمسية هي الحل الأمثل لتلبية الطلب في أوقات الذروة.
وعندما اضطرت جميع الشركات إلى التوقف مؤقتًا عن العمل بسبب قرارات الإغلاق أثناء جائحة كوفيد 19، أدى ذلك إلى انخفاض في الطلب نظرًا للاضطرابات في سلسلة التوريد. وقد أثرت الجائحة سلبًا على عمليات KESK حيث توقفت مشاريعها مؤقتًا وأدت الأزمة إلى تأخير المدفوعات المرتبطة التي كانت الشركة تتوقع أن تتلقاها في عامي 2020 و2021. وقد عانت KESK من خسائر في مشاريع قيد الإنجاز بسبب التغييرات في استراتيجيات وأهداف عملائها. وأفاد معظم عملاء KESK بنقص التمويل للمضي قدمًا في مشاريع الجارية. وبحلول منتصف عام 2020، بدأت KESK في خفض تكاليف العمليات التشغيلية عن طريق خفض الرواتب والنفقات وأغلقت المكتب وأعادت فتحه مرة أخرى في فبراير 2021 بعد الحصول على منحة من مؤسسة مالية.
وتصف باسمة هذه الفترة بـ”المحبطة”. وتقول: “كنا في ذلك الوقت نقدم خدمات استشارية فقط، ولم نتكبد أي تكاليف تتعلق بالمعدات كما هو الحال حاليًا. لذلك، توجب علينا فقط مراجعة ميزانيتنا وخفض الاستهلاك لضمان قدرتنا على الاستمرار في العمل لفترات أطول. ومع ذلك، اضطررت – عندما بدأ تمويلنا بالنفاد – للسماح لبعض أعضاء فريقي بالعمل في أماكن أخرى، إذ كان من الصعب الحفاظ على رأس المال البشري الحالي بسبب عدم قدرتنا على تحمل تكلفة الرواتب.
وبمجرد استئنافنا للعمل، تمكنت من إعادة الموظفين. والآن، عندما أفكر بالماضي، أدرك مدى صعوبة الأمر، لكن ولأنك تعاني من صعوبة الظروف في ذلك الوقت، ترى الجميع يعانون، وتعتقد أن هذا أمرًا طبيعيًا”.

في الربع الأول من العام 2022، حققت KESK مبيعات قياسية. مع ذلك، سجلت الشركة خسارة صافية في الفترة ذاتها بسبب زيادة تكاليف المواد بنسبة 10%، وتضاعفت تكاليف الشحن ثلاث مرات، وزاد وقت تسليم الشحنة من 40 إلى 90 يومًا. علاوة على ذلك كله، مثّل الافتقار إلى التمويل اللازم لاستمرارية العمل تحديًا إضافيًا.
وفي العام 2022، تواصلت باسمة مع شركة جروفن للحصول على دعم لتغطية الرواتب وتثبيت برمجية جديدة. وقدمت شركة جروفن العراق، من خلال برنامج الاستثمار في شمال العراق لدعم الشركات الصغيرة والمتوسطة المتضررة من جائحة كورونا، قرضًا إغاثيًا إلى KESK. ويقدم البرنامج قروضًا تجارية قصيرة الأجل للشركات القائمة في شمال العراق لمساعدتها على التغلب على الأثر المستمر لجائحة كورونا والحفاظ على الوظائف وسبل العيش.

وتقول باسمة: “لقد منحتنا جروفن رأس المال الذي نحتاجه بشدة لتنفيذ المشاريع الجارية وشراء المعدات.” وتضيف: “المعدات ليست رخيصة الثمن، وقد تكلف من 50 إلى 60% من رأس المال لكل مشروع، وسيساعدنا التمويل على استمرارنا في العمل من 5 أشهر إلى حوالي 8 أشهر حتى يسدد عملاؤنا قيمة أتعابنا”.

حضانة هيفين
قالت رائدة الأعمال إيمان جساس أنّها لطالما أرادت العمل في مجال التعليم، فقد قالت:
“لعائلتي تاريخ عريق في سلك التعليم وكثيرون من أسرتي يعملون مدرّسين”، مُضيفةً أنّهم شغوفون في التعليم ويحبونه كثيرًا.
إيمان معلّمة مخضرمة بخبرةٍ تزيد على 35 عامًا، وهي مؤسِّسة حضانة هيفين التي تقع في مدينة أربيل. انتقلت إيمان وعائلتها من بغداد إلى أربيل بسبب بعض المخاوف الأمنية، وعملت في أربيل في مدرسةٍ للأطفال النازحين داخل البلاد، قبل أن تقرر افتتاح عملها الخاص عام 2018. وقد أشارت إيمان إلى قرارها بأنْ تصبح رائدة أعمالٍ قائلة:
” أعتقد أنّ الكثير من المناهج التعليمية وطرق التدريس ليست أفضلَ الطرق لتعليم الأطفال. أدركتُ أنني أستطيع أن أنشئ عملي الخاص وأستخدم أفضل الطرق التي أعرفها لتعليم الأطفال”.

تقدّم حضانة هيفين الرعاية والتعليم للأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين أربعة أشهر وأربعة أعوام، وهي الحضانة الأولى في العراق التي تحصل على شهادة المنظمة الدولية لتوحيد المقاييس “ISO” عن التعليم والرعاية في مرحلة الطفولة المبكرة. قالت إيمان أنّ الطعام الصحي والمرافق النظيفة والرياضة والأنشطة الخارجية كلّها عناصر مهمة لإدارة الحضانة، لكنّ الاهتمام بالأطفال الذين يأتون إلى الحضانة عنصرٌ أهمّ، فقد قالت أنّ
“الاهتمام بالطفل أهمّ من التعليم”.
قدّمت حضانة هيفين منذ افتتاحها خدمات رعاية الأطفال لأكثر من 150 عائلة، وتقدّم أيضًا دروسًا خاصة للأطفال الذين يعانون من صعوبات متوسطة في القراءة والتحدّث والتعلّم، وفيها معلمةٌ مُعتمَدة لدعم الأطفال المصابين بالتوحّد. كما وظّفت الحضانة 9 نساء، بمن فيهنّ عرقياتٌ هربن من الموصل بالإضافة إلى لاجئة سورية.
كانت إيمان تخطّط لتجديد مرافق الحضانة والتوسّع في موقعٍ ثانٍ، لكنّ جائحة كوفيد-19 مثّلت عقبةً غير متوقعة، فقد أجبرت الجائحة حضانة هيفين على الإغلاق لثمانية أشهر، وبهذا لم تكن تدرّ أي دخل وفي الوقت نفسه استمرّت بدفع أجور الموظفات ورسوم الإيجار. وقد قالت إيمان أنّ الجائحة كانت فترة يكتنفها الغموض، فقد استمرّت لوقتٍ أكثر مما توقعَته. قالت إيمان:
” الإحباط أنسب كلمة تصف فترة الأزمة تلك، فقد خسرنا الكثير خلال ذلك الوقت. وواجهنا وضعًا صعبًا للغاية طوال 6 إلى 9 أشهر”.
استمر الضغط الذي تواجهه الحضانة بعد إعادة فتح القطاعات، فقد كان عدد الأهالي الذين يسجّلون أطفالهم في الحضانة في ذلك الوقت قليلًا. وقد أصبحت حضانة هيفين في أوائل هذا العام أول مشروع يحصل على قرضِ إغاثةٍ في الجولة الثانية من برنامج الاستثمار في شمال العراق لدعم الشركات الصغيرة والمتوسطة في ضوء جائحة كوفيد-19. إذ يقدّم البرنامج قروضًا تجارية قصيرة المدى للأعمال التجارية القائمة شمال العراق لمساعدتها في تجاوز أثر جائحة كوفيد-19 المتبقي والحفاظ على الوظائف وسبل العيش. وقدّمت الجولة الأولى من البرنامج قروض إلى 25 شركة وبهذا ساهمت في الحفاظ على 413 وظيفة مباشرة، وستقدّم الجولة الثانية منه 750 ألف دولار لتمويل الشركات المؤهلة.

حريّ بالذكر في هذا السياق إلى مساهمة قرض الإغاثة لحضانة هيفين في دفع رواتب موظفاتها لمدة ستة أشهر، وسيمنح إيمان التمويل الذي تحتاجه لاستكمال تجديد مرافق الحضانة. إذ تخطط إيمان أيضًا إلى استخدام التمويل لتوسيع نظام الكاميرات الذي يتيح للأهل مشاهدة بث فيديو الحي ومباشر لأطفالهم أثناء تواجدهم في الحضانة، وهذه ميزة رئيسية توفرها في حضانتها. تقول إيمان:
” أحب أن أجعل الأطفال سعداء وأرى تقدير الأهل لعملنا. كما آمل أن أتمكن من تطوير الحضانة إلى مستوى يجعلها الأفضل في المدينة وأوسّع نطاقها إلى محافظات عراقية أخرى”.

مطبعة البردى
“تسبب تنظيم داعش بإيقاف عملنا وخسرنا بذلك [كل شيء]، واضطررت للعودة إلى نقطة البداية”، هذا ما قاله نديم بردا، صاحب مطبعة البردى في الموصل، وأضاف: “لقد كان الأمر صعبًا على الجميع”.
تأسست المطبعة عام 1998، وتعمل في مجال قص أكياس النايلون والبلاستيك والورق المباعة للمطاعم والمخابز ومتاجر التجزئة والمصانع والطباعة عليها. وتعرضت الشركة لانتكاسة عام 2006 عندما أجبرت التوترات الطائفية العديد من العاملين المدربين من الأقليات على الفرار. ومع ذلك، تمكن نديم من إعادة تشكيل فريقه وإنقاذ المطبعة.
وعقب ذلك عام 2014، اجتاح التنظيم المنطقة، ما تسبب بتدمير المبنى الذي تتواجد به المطبعة جراء غارة جوية وانفجار سيارة مفخخة. وذكر نديم أنه كان يتواجد في الجانب المحرّر من الموصل عندما تلقى خبر تعرض مصنعه للنهب.
لقد كنت أعلم أن ذلك الجزء من المدينة خطير وأن مصنعي كان عرضة للخطر. وهرعت من الجانب الآخر من المدينة لرؤية ما تبقى من مصنعي، وكنت قد تفاديت رصاصة قناص وأنا في طريقي إلى المصنع.”
لقد استغرق الأمر خمس ساعات إلى حين وصوله، نظرًا لجهود المحررين المتواصلة في تقييد الحركة. وكما يذكر نديم :
“لقد كان الطريق أصعب بكثير مما تخيلت، لقد أخبروني أن المنطقة مليئة بالألغام الأرضية وأنني سأضطر إلى العودة على مسؤوليتي الشخصية”.
وعند وصوله إلى الموقع أخيرًا، كان جميع الناهبين قد غادروا المبنى المتضرر بعد أن انتشلوا ما فيه من محتويات.
“لقد كان ذلك اليوم بالتحديد صعبًا للغاية؛ فقد نُهبت جميع المواد الخام والأحبار والمواد المذيبة وحتى المنتجات الخاصة بالعملاء، فلم يبقى شيء سوى المحركات الثقيلة.”
بدأ نديم في إعادة بناء مشروعه، وبدأت البردى تدريجيًا باستئناف العمل عام 2019. وبعد فترة وجيزة، ضربت جائحة كوفيد 19 العالم بأسره، وأضرّت الإغلاقات ذات الصلة بإيرادات المطبعة ضررًا كبيرًا نظرًا لاعتماد مبيعاتها على النشاط الاقتصادي للقطاعات الأخرى. وأُجبر نديم على استخدام الأموال الزائدة التي كان يخطط لاستثمارها في إنشاء خط إنتاج جديد وحديث كي يظل المشروع واقفًا على قدميه في ظل هذه الأزمة الجديدة. ويقول هنا:
“شكّل انتشار فيروس كوفيد نكسة أخرى لمشروعي، حيث أثر الإغلاق والقيود المفروضة بشكل كبير على عملنا، وكان عام 2020 أسوأ فترة لنا، إذ ترتبت عليه خسائر كثيرة.”
وأخيرًا، قدم برنامج الاستثمار في شمال العراق لدعم الشركات الصغيرة والمتوسطة في ضوء جائحة كوفيد-19 للبردى رأس المال اللازم للتعافي من آثار الجائحة. ويقول نديم عن تأثير القرض على مشروعه:
“لقد طورنا خط إنتاج جديد، ما ساهم في تمكين مشروعنا من التنافس مع الدول المجاورة وتصنيع منتجات عالية الجودة وبيعها في سوق أوسع”.
وفي الوقت الراهن، تعمل البردى بشكل جيد وتضم فريقًا من خمسة أشخاص، ويعمل عبدالله في المطبعة منذ عام 2004، وقد عاد إلى وظيفته بعد غزو داعش وظل موظفًا فيها طوال فترة الجائحة، حيث يعيل زوجته وخمسة أطفال. ويقول:
“يشكل عملي هنا جزءًا كبيرًا من حياتي. وآمل أن أواصل عملي و(أربي) أطفالي”

مصنع الأنابيب البلاستيكية
أُجبر محمد* بالفعل على إعادة بناء تجارة عائلته من البداية من الصفر.
وبعد بيعه منتجات مستوردة لمدة خمس سنوات، كان فخورًا ببدء تصنيع الأنابيب البلاستيكية والمطاطية في بلدته الأم بالموصل، شمالي العراق، بيد أنه فقد كل شيء عندما اجتاح تنظيم داعش المدينة. ويقول محمد:
“تحول كل شيء إلى أنقاض بعد أن أصابت غارة جوية من قوات التحالف مصنعي ودمرت المبنى بالكامل حيث كان داعش في ذلك الوقت يستخدمه لشن هجماته وتخزين أسلحته”.
تمكن محمد من إعادة تشغيل المصنع بعد تحرير الموصل في 2017، وأعرب عن أمله في أن تكون بداية جديدة. ويضيف:
“هذه تجارة العائلة؛ فقد عملنا أنا وأشقائي الأربعة في المصنع لنحو ثماني سنوات، وهو يوفر سبل العيش الضرورية لنا ولعائلاتنا”، مؤكدًا “أهمية المصنع بالنسبة لنا للمحافظة على اسم العائلة، إذ تعد سمعتنا جزءًا مهمًا جدًا من تجارتنا”.
وفي العام 2020، واجه محمد وأشقاؤه انتكاسة أخرى غير متوقعة عندما تفشت جائحة كورونا في العراق. وقد أجبرت القيود التي فرضهتا جائحة كورونا محمدًا وأشقاءه على إغلاق المصنع لنحو ثلاثة أشهر. ويوضح قائلًا:
“لقد كانت فترة عصيبة، تكبد خلالها مصنعي خسائر كثيرة، وخشيت أن يجبرني ذلك على إغلاقه وكنت قلقًا من عجزي عن توفير سبل العيش لعائلتي”.
وكحال العديد من الشركات الصغيرة والمتوسطة الأخرى في العراق، عانت تجارة محمد من تراجع حاد في الإيرادات جراء تدابير الإغلاق التي فرضتها جائحة كورونا. وتشير سلسلة من الاستطلاعات شاركت فيها نحو 900 شركة صغيرة ومتوسطة عراقية وأجرتها المنظمة الدولية للهجرة، ومنظمة الأغذية والزراعة، ومركز التجارة الدولي إلى الأثر الحاد الذي خلفته الإغلاقات الإجبارية على الشركات الصغيرة على مستوى جميع القطاعات. وقال المشاركون في الاستطلاعات إن متوسط الخسائر بين فبراير ويونيو 2020 بلغ 67%. ورغم أن الإيرادات أظهرت انتعاشًا جزئيًا في وقت لاحق من العام إلا أنها لا تزال أقل بنسبة 23% في ديسمبر 2020 مقارنة بمستويات ما قبل الجائحة.

وكان مصنع محمد واحدًا من 23 شركة صغيرة ومتوسطة تلقت قرضًا إغاثيًا من خلال برنامج دعم الشركات الصغيرة والمتوسطة المتضررة من جائحة كورونا التابع لبرنامج الاستثمار في شمال العراق ومنح البرنامج، المدعوم من الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية من خلال هدية من الشعب الأمريكي، محمدًا التمويل الذي احتاجه من أجل دفع الرواتب وشراء المواد الخام لاستئناف العمليات التشغيلية. ويستخدم مصنع محمد البلاستيك المعاد تدويره فضلًا عن الجزيئات البلاستيكية التي يتم الحصول عليها من الموردين المحليين والدوليين. ويقول محمد:
“التمويل الذي تلقيته ساعدني في استدامة مصنعي وتعزيز التدفق النقدي فيه.”
كما أثرت أزمة فايروس كورونا بشكل كبير على قدْرة الشركات الصغيرة والمتوسطة العراقية على الاحتفاظ بالموظفين. ووفقًا للاستطلاع المذكور أعلامه، بلغ متوسط تخفيض عدد الموظفين 27% من فبراير إلى يونيو. ورغم أن إعادة فتح القطاعات الاقتصادية أتاح للشركات الصغيرة والمتوسطة، التي شملها الاستطلاع، إعادة الموظفين بعد يونيو، إلا أن معدلات التوظيف لم تبلغ بعد مستويات ما قبل جائحة كورونا. وبفضل القرض الإغاثي المقدم من برنامج الاستثمار في شمال العراق، يستمر مصنع محمد بتوظيف 14 شخصًا.
ويقول خليل، الذي يتولى الجانب الإداري للمصنع، إن الجائحة أثرت سلبًا عليه وعلى عائلته، إذ خشي من فقدان وظيفته كغيره من أفراد مجتمعه. ويضيف خليل: “كنت سعيدًا باحتفاظي بوظيفتي، إذ أصبح المصنع بمثابة منزل ثان بالنسبة لي”. وتابع: “كما أنني أحافظ على توفير سبل العيش للأشخاص [الآخرين] الذين يعملون في المصنع أيضًا”.
* لغايات الحفاظ على أمن عملائنا، نستخدم أسماء مستعارة.
يساعد برنامج دعم الشركات الصغيرة والمتوسطة في ضوء جائحة كوفيد-19 شركة “جروفن” في الحفاظ على الوظائف وإنقاذها شمالي العراق
ساهمت “جروفن”، بدعم الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، في توفير 386 وظيفة كانت معرضة للخطر بسبب تأثير جائحة كوفيد – 19 على الشركات الصغيرة شمالي العراق.
يطبق برنامج الاستثمار شمالي العراق تحت إدارة جروفن نطاق عمله الاستثماري الحالي في المنطقة لإنشاء برنامج لدعم الشركات الصغيرة والمتوسطة في ضوء جائحة كوفيد-19 لمواجهة التأثير المدمر الذي خلفته الجائحة والقيود المرتبطة به على الشركات الصغيرة. وقدم البرنامج للشركات الصغيرة والمتوسطة المؤهلة قروضًا دون فائدة لأول 12 شهرًا، يتم بعدها فرض سعر فائدة مُيسّر على الرصيد المستحق.
وقدم البرنامج ما مجموعه 1.5 مليون دولار من التمويل إلى 23 شركة خلال العام الماضي، إذ تعمل هذه الشركات في مجموعة من القطاعات وتوظف نحو 386 شخصًا. وشملت الوظائف التي تم الحفاظ عليها 116 وظيفة تشغلها نساء، و106 وظيفة يشغلها عمال غير مهرة أو شبه مهرة، و323 وظيفة يشغلها أفراد من فئة الشباب (تقل أعمارهم عن 35). وقدم البرنامج الدعم لرواد أعمال من عدة مجموعات من الأقليات في العراق، إذ يتملك أحد أعضاء مجموعة الأقلية تسعة شركات استثمارية.
أطلقت شركة “جروفن” عام 2019 برنامج الاستثمار شمالي العراق لدعم إعادة بناء قطاع الشركات الصغيرة والمتوسطة المحلية بعد الضرر الشديد الذي لحق بالبنية التحتية والاقتصاد في المنطقة. ويقول أشرف إسماعيل، رئيس الاستثمار بمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في جروفين، إن برنامج دعم الشركات الصغيرة والمتوسطة بعد جائحة كوفيد 19 سمح لبرنامج الاستثمار شمالي العراق بمواصلة جهوده للمساعدة في إعادة بناء قطاع الشركات الصغيرة والمتوسطة هناك حتى مع ظهور مشكلات جديدة مرتبطة بالجائحة.
“اضطر رواد الأعمال شمالي العراق إلى إظهار قدرة خارقة على الصمود في وجه هذه الأزمة في محاولة إعادة بناء أعمالهم بعد طرد داعش من المنطقة، في وقت كانوا بأمسّ الحاجة إلى الدعم. واستحدث برنامج الاستثمار شمالي العراق لتنمية وتطوير الشركات الصغيرة والمتوسطة بهدف إيجاد فرص عمل، إلا أن الحفاظ على الوظائف خلال الجائحة أصبح محور التركيز الرئيسي لتلك الشركات.”

وكان من بين المستفيدين من البرنامج أربع شركات كان لا بد من إعادة بنائها بعد أن دمرتها أو داعش نهبتها. وقد تسبب اجتياح داعش لمدينة الموصل في خسارة محمد كل ما قام باستثماره في مطعمه “مقهى A1“. ورغم أنه تمكن من إعادة افتتاح “مقهى A1“، لكنه كان يخشى من ألا يستمر عمله، الذي يوظف تسعة أشخاص، بعدما أجبرته التدابير التي فرضتها الدولة في ضوء مكافحة كوفيد-19 على إغلاقه من منتصف مارس إلى يونيو من العام الماضي. ويقول محمد:
“أكثر ما كنت أخشاه هو ألا أكون قادرًا على إعالة أسرتي ماليًا. إلا أن القرض ساعدني على إعادة تشغيل المطعم”.

وتضمنت الشركات المستثمرة في البرنامج أربع شركات مملوكة للنساء. وتقول شيلان، مالكة صالونميا بيلا صالون في أربيل، كان من المفترض افتتاح فرع ثانٍ له عام 2020 قبل فرض إجراءات إغلاق جديدة لوقف تفشي فيروس كورونا لثلاثة أشهر تقريبًا. وخشيت شيلان من عدم استمرار عملها والوظائف التسعة التي تدعمها نظرًا لعدم تمكنها من تحقيق أي دخل خلال هذه الفترة. وتقول:
“بدأت تساورني مخاوف من إغلاق مشروعي وإرسال الموظفين إلى منازلهم. وما الذي سيحصل لكل هؤلاء الأفراد المعتمدين على هذا المشروع في الحصول على مصدر دخل لهم؟ إلا أن القرض الذي قدمته لنا شركة جروفن أنقذ “Mia Bella” من الانهيار،”
تأثير الأموال في العراق
10 مليون دولار
الاستثمار في الشركات العراقية الصغيرة والمتوسطة
1310
استمرار الوظائف المباشرة
6550
سبل العيش مستدامة
يعمل صندوق نُمُوّ العراق التابع لشركة جروفن جنوبي العراق منذ عام 2013. واستثمر برنامج الاستثمار شمالي العراق وصندوق نُمُوّ العراق معًا قرابة 10 ملايين دولار في الشركات الصغيرة والمتوسطة العراقية، ما ساعد هذه الشركات على الحفاظ على 1310 وظيفة مباشرة و6550 مصدرًا للرزق. واختتم اسماعيل بالقول:
“مع استمرار الجائحة، ستظل الظروف الاقتصادية في العراق صعبة لبعض الوقت، ولا يعزز هذا المشهد سوى التمويل والدعم الذي يوفره كل من برنامج الاستثمار شمالي العراق وصندوق نُمُوّ العراق معًا للشركات الصغيرة والمتوسطة، بالإضافة إلى التأثير الاجتماعي والاقتصادي لهذه الصناديق على حياة العراقيين.”

مقهى A1
رغم توقع محمد ت. أنه سيتلقى تلك المكالمة في يوم ما، إلا أن وقع الصدمة وأثرها كان صعبًا عليه عندما اتصل به جاره ليخبره أن داعش دمرت مطعمه الواقع شمالي مدينة الموصل العراقية.
تلك الآنية أمريكية الطراز التي ساعدته في الترويج لمقهى A1 بين الطلاب والعاملين الشباب، ربما كانت سببًا أيضًا جعل من المقهى هدفًا لداعش التي فرضت سيطرتها على الموصل في يونيو 2014، وأدت إلى تهجير محمد وأسرته ونصف مليون شخص آخر من المدينة والمنطقة المحيطة بها في غضون أسبوعين فقط.
“ما أن دخلت داعش المدينة، حتى بتنا لا نجد طريقًا لنا سوى الهروب. لقد كان يومًا عصيبًا.” حسب وصفه.
ورغم خسارته لكل ما استثمره في عمله، يقول محمد إن حبه لعمله واحتياجات مجتمعه أجبراه على العودة إلى الموصل لإعادة بناء مقهى A1. ولكن جائحة كورونا (كوفيد-19) التي وقعت العام الماضي ألقت بالشك في نفسه تجاه قدرته على النجاح، سيما بعد أن أجبرته تدابير الإغلاق والحظر على إغلاق المقهى من منتصف مارس إلى يونيو 2020، وخشي محمد أن يضطر إلى إغلاق أعماله إلى الأبد.
“أكثر ما كنت أخشاه هو ألا أكون قادرًا على إعالة أسرتي.”

إلا أن القرض الذي حصل عليه من برنامج الاستثمار في شمال العراق لدعم المنشآت الصغيرة والمتوسطة في تلك الأزمة ساعده في تغطية رأس المال العامل لتشغيل المقهى ودفع أجرته ورواتب الموظفين. ويقول هنا:
“ساعدني القرض على إعادة تشغيل المقهى”
ورغم أن الحظر المسائي لا يزال يضر بالمطاعم في الموصل، إلا أن محمد يعتقد بأن الوضع أفضل بكثير الآن، ويرى أن المقهى قادر على تشغيل تسعة موظفين، منهم ثلاث نساء.
تعمل تمارة س. موظفة استقبال في المطعم منذ ثلاث سنوات، وتُشير إلى أن تأثير الوباء كان كبيرًا على مجتمعها وعلى سوق العمل بأكمله عمومًا. ولأنها تساعد والديها وأخواتها الثلاث، فإنها سعيدة لقدرتها على العمل رغم الوباء. وتعقيبًا على ذلك، تقول:
“هذا العمل مهم جدًا بالنسبة لي، خصوصًا بعد أن قضيت شهرين في المنزل وظننت أنني خسرت عملي”.
أجرت منظمة REACH الإنسانية استطلاعًا في منطقة مركز الموصل في مارس 2021 توصلت من خلاله إلى أن الحاجة الأساسية الأكثر شيوعًا التي تحدث عنها أفراد المجتمع هي سبل العيش، وذلك بسبب قلة فرص العمل في القطاعين العام والخاص. وتبين أنه أكثر التدخلات المطلوبة لتشجيع عودة أكثر من 251,000 شخص لا يزالون نازحين من المنطقة، بحسب الأمم المتحدة. وهذا يعني أن تنشيط الشركات الصغيرة، كمقهى A1، ودعمها ماليًا لا يقل أهمية عن إنشاء البنية التحتية والمباني في المدينة، لمساهمته في إعادة بناء الموصل وحياة سكانها.

مطعم هزير
بعد أن أُجبر أحميد س. على الفرار من بلدته التي تقع في مدينة سنجار العراقية عندما اجتاحتها داعش، بدأت أسرته بالتفكير في مغادرة البلاد بلا رجعة.
ينتمي أحمد للطائفة اليزيدية، وهي أقلية سكنت منذ التاريخ في سنجار، وتعرضت للاضطهاد والعنف عندما سيطرت داعش على المنطقة في عام 2014. ولقد لخص تحقيق أجرته الأمم المتحدة وصدر في مايو 2021 إلى أن العنف الذي مارسته داعش ضد اليزيديين يرتقي ليكون إبادة جماعية وجريمة حرب.
ويُشير أحمد إلى إن وصف ما أقدمت به داعش بحق اليزيديين أمر مستحيل، إذ قال: “لا أستطيع أن أعبر عنها بالكلمة أو الفكرة؛ تخيل أن من نجا من القتل أو الاختطاف أو الاغتصاب، كان مصيره التهجير والتشريد، ومن نجا من الاغتصاب الجسدي، لم يسلم من الاغتصاب النفسي”.

ولكن بدل المغادرة والرحيل، اختار أحمد العودة إلى سنجار في عام 2019 لافتتاح مطعم هزير، إذ قال في هذا الصّدد: “فكرت في إعادة إحياء المجتمع الذي أنتمي إليه، إلا أن أكبر مشكلة واجهتني تمثّلت في إنفاق الكثير من المال في منطقة لم يعد إليها سوى 5% من سكانها. ولكنني تمكنت بافتتاحي للمطعم من توجيه رسالة واضحة مفادها أن المنطقة ستتعافى من جديد”.
وبالفعل، سرعان ما أصبح مطعم هزير موقعًا مشهورًا للمنظمات غير الحكومية التي تعمل على إعادة بناء سنجار، إذ تستضيف فيه ورش العمل والمؤتمرات. وكان المطعم مؤشرًا واضحًا لإعادة الحياة إلى طبيعتها في سنجار، سيما بعد أن أصبح يقدم وجبات البوفيه، وبني فيه مسرح للموسيقى الحية التي تُعزف في عطلات نهاية الأسبوع. ولكن بعد تسعة أشهر من افتتاحه، أنهت جائحة كورونا (كوفيد-19) كل هذه الأنشطة فجأة.
يقول أحمد إن الأزمة أضرّت بأعماله ضررًا شديدًا، وذلك لأن القوانين أجبرته على الإغلاق منذ منتصف إبريل وحتى سبتمبر من عام 2020. وبحديثه عن شعوره في ذلك الوقت يقول: “انتابني شعور سيء للغاية، وخفت ألا تعود سنجار إلى ما كانت عليه مرة أخرى وألا يعود إليها أهلها”.
قدمت شركة غروفن للاستثمارات شمالي العراق، وبدعم من الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية ، تمويلاً قدره مليونًا ونصف مليون دولار لتمويل الشركات الصغيرة في شمالي العراق وتمكينها من التعافي بعد جائحة كورونا (كوفيد-19). وحصل هزير على قرض دعم من خلال البرنامج لسداد ديونه التي تراكمت عليه خلال فترة الإغلاق وتمكينه من العودة إلى العمل.
نتيجة لذلك، يواصل المطعم اليوم توظيف 13 شخصًا، ويُشير أحمد س.، المدير العام للمطعم، إلى أن الكثير من سكان سنجار فقدوا وظائفهم ومصادر عيشهم بسبب الأزمة، إذ يقول “لذلك من المهم جدًا بالنسبة لي أن أحافظ على عملي وأن أسعى إلى توسعته بعد الأزمة، وآمل أن يتمكن معظم المهجرين من سنجار من العودة إليها في المستقبل”.
وبحسب الأمم المتحدة، فما يزال هناك نحو 200 ألف نازح داخلي من المناطق المحيطة بسنجار، وما يزال الدمار في بعض المناطق، فضلاً عن ضعف البنية التحتية والخدمات، كالرعاية الصحية والكهرباء والمياه والصرف الصحي، حائلاً دون عودة الكثيرين إلى ديارهم. وقد تؤدي مشاريع صغيرة، على غرار مطعم هزير، دورًا محوريًا في إعادة بناء المدينة واقتصادها بتوفير فرص العمل والخدمات لتمكين الكثيرين في نهاية المطاف من العودة إلى بلداتهم.


صالون “لوما ستايل”
لم يقتصر الأثر الشديد الذي ألحقته جائحة كورونا (كوفيد-19) بالشركات الصغيرة والمتوسطة بالعراق على الإضرار بالتوظيف الكلي في الدولة، لكنها أدّت أيضًا إلى تفاقُم الفجوة بين الجنسين على صعيد التوظيف.
ولقد أشارت دراسةٌ أجرتها كل من المنظمة الدولية للهجرة ومنظمة الأغذية والزراعة ومركز التجارة الدولية على 900 شركة صغيرة ومتوسطة في شتّى أرجاء العراق إلى أن الفجوة في التوظيف بين الجنسين في هذه الشركات قد اتّسعت بمقدار 30 نقطة مئوية. وفي فبراير، بلغت نسبة النساء العاملات إلى الرجال العاملين 1 إلى 13. وبعد إجراء بحث في نهاية يونيو، تبيّن أن هذه النسبة قد ازدادت لتُصبح 1 إلى 17. وأشارت الشركات الصغيرة والمتوسطة التي شملتها الدراسة المسحية إلى انخفاض مستويات التوظيف بدوام كامل بنسبة 27%.
يُعد صالون “لوما ستايل” الذي يُمثّل أحد الصالونات الراقية المتخصصة في التجميل وتصفيف الشعر في مدينة أربيل في شمال العراق، إحدى الشركات المملوكة للنساء وواحد من المشاريع الصغيرة والمتوسطة التي تُوظّف النساء والتي اضطُرّت لخفض عدد طاقمها الوظيفي نظرًا لأثر الجائحة. ولقد أُجبر الصالون الذي يُقدّم مجموعةً من المنتجات والعلاجات التجميلية مثل تجميل الأظافر، والباديكير، وعلاجات الوجه، والتدليك، وإزالة الشعر بالشمع على الإغلاق في منتصف مارس من عام 2020، وأدّت التدابير المتّخذة أثناء الجائحة والتي تستهدف قطاع التجميل إلى عدم التمكُّن من إعادة افتتاح الصالون قبل نهاية مايو. وعلى الصعيد العالمي، تأثرت قطاعات متعددة مثل التجميل والضيافة والتعليم والرعاية الصحية، التي تتّجه إلى توظيف عدد أكبر من النساء، تأثُّرًا غير متكافئ مع الجائحة.

تعتنق السيدة لوما، وهي صاحبة الصالون، المسيحية، وتنتمي إلى أقليّة في شمال العراق، وتنحدر أساسًا من بلدةٍ تُدعى “كرملش”. ولقد أُجبر سُكّان هذه البلدة على الفرار منها عندما سيطر تنظيم داعش الإرهابي عليها في عام 2014. وتجدر الإشارة إلى أن لوما استهلّت مشروعها في عام 2017، لكنها تقول أنها تخشى أن تضطر لإغلاقه إغلاقًا دائمًا عندما تركت إجراءات الإغلاق هذا المشروع غير قادرٍ على إدرار أي دخل. ومن المرجّح أن تنخفض العوائد التي تحققها لوما هذا العام بنسبة 40% مقارنةً بما حقّقته في عام 2019. وتعقيبًا على ذلك، تقول: “إن التكاليف المتراكمة تضعنا تحت ضغطٍ هائلٍ في وقتٍ لم يتمكّن فيه المشروع من تحقيق أي ربح. ولقد انتابني شعورٌ بأنني سأضطر لإغلاقه في لحظة ما”.
اضطرت لوما إلى الاستغناء عن ثلاثةٍ من موظفيها وتخفيض الرواتب لديها إلى النصف. وما زاد الطين بله أنها أُصيبت هي وأُسرتها بفيروس كورونا. وبفضل قرضٍ إغاثيٍّ قدّمه برنامج الاستثمار في شمال العراق لدعم الشركات الصغيرة والمتوسطة المتضررة من جائحة كورونا، تعتقد لوما الآن أنه بإمكان مشروعها التعافي، وأنه ينبغي أن تكون قادرةً على الوصول إلى نقطة التعادل في نهاية 2020. وبهذا الصّدد، تقول: “سيساعدني القرض على تغطية تكاليف الإيجار والرواتب وتكلفة المواد الخام لأكون قادرةً في نهاية المطاف على مواصلة عملي وتجنب المخاطر في هذا الوقت الحرج. وآمل أن أتمكّن من تنمية مشروعي وجعله مستدامًا على المدى الطويل”.
يهدف هذا التمويل إلى جعل صالون لوما ستايل قادرًا على مواصلة توظيف تسعة أفراد، منهم ثمان نساء. تعمل لبنى، وهي شقيقة لوما، مُصفّفةً للشعر في الصالون، وهي تدعم زوجها وطفليها ماليًا. وتُشير إلى أنها تأمل بمواصلة العمل مع شقيقتها، إذ تقول: “أعتمد على هذه الوظيفة في تغطية تكاليف معيشتي ومعيشة أُسرتي”.

مطعم “لا دولتشي فيتا”
أمضت شادي في أوروبا أكثر من 10 سنوات، لكنها عندما قرّرت افتتاح مطعمها الخاص تبيّن لها أنه لا بد من العودة إلى مسقط رأسها في شمال العراق. وبهذا الصدد، علقّت شادي قائلةً: “لقد دمّر تنظيم داعش اقتصاد كردستان، وساهم في زيادة معدّلات البطالة، ما ولّد في نفسي دافعًا للعودة وتحدّي نفسي، بصفتي امرأة، لإقامة مشروعي الخاص رغم أنني مُحاطة بمجتمع يسوده الرجال”.
تنتمي شادي إلى طائفة الشبك التي تُعد إحدى الأقليّات التي اضطهدها تنظيم داعش عندما سيطر على شمال العراق عام 2014. وبعد طرد التنظيم من الدولة في عام 2017، عادت إلى مدينة أربيل وأسّست مطعم “لا دولتشي فيتا” الذي يقع في الحي التجاري الثري في المدينة، ويُقدّم مجموعةً متنوعةً من المأكولات العربية والكردية التقليدية الراقية بالإضافة إلى الأطباق الغربية. وبعد مضي ثلاث سنوات، تمكّنت شادي من أن تبقى السيدة الوحيدة المالكة لمطعم من بين 20 مطعمًا في المنطقة. وتعقيبًا على ذلك، تقول: “ينتابني شعور بالفخر للمنافسة [مع هذه المطاعم] وتقديم مأكولات تقليدية من المطبخ العراقي الراقي”.

لكن عندما عمّت جائحة كورونا (كوفيد-19) أرجاء العراق، واجهت شادي أكبر تحدّ تجاري طوال حياتها، فلقد أجبرت إجراءات الإغلاق التي فُرضت في أربيل في منتصف مارس من عام 2020 المطعم على الإغلاق، إذ أنها لم تتمكّن، على غرار البارات والمطاعم الأخرى، من إعادة فتح المطعم بالكامل قبل سبتمبر من ذات العام. وكان ذلك بمثابة ضربةٍ مدمّرةٍ للعمل التي تُرِكت دون تحقيق أي إيرادات لستّة أشهر. كافحت شادي لتغطية التكاليف المترتّبة مثل تكاليف الإيجار والكهرباء والرواتب، ما دفعها للاستغناء عن خمسة موظفين وخفض رواتب باقي موظفيها، بمن فيهم النازحين السوريين، بنسبة 50%.
لم يدُم هذا الحال طويلًا، فلقد أصبح المطعم نابضًا بالحياة من جديد بعد أن حصل على تمويلٍ من برنامج الاستثمار في شمال العراق لدعم الشركات الصغيرة والمتوسطة المتضررة من جائحة كورونا، إذ أتاح هذا القرض للمطعم فرصة تغطية نفقات الرواتب والإيجارات وتكلفة المبيعات لإعادة افتتاحه من جديد. وفي تعقيبٍ لها، تقول شادي: “حصلت على هذا القرض في مرحلةٍ حرجةٍ للغاية لأنني كنت على الأرجح سأضطر لإغلاق مشروعي، لكن هذا القرض أعاده إلى الحياة من جديد”.
بمقدور المطعم الآن مواصلة توظيف 11 فردًا، بما فيهم 5 نساء، إحداهُنّ كالي، وهي أمٌّ في ريعان شبابها تعيش بمفردها وتُعيل طفليها في الثانية والرابعة من العمر. تعمل كالي في المطعم منذ عام 2017، وتُعرب عن رأيها بالعمل فيه قائلةً: “أشعر بأنني محظوظةٌ لأنني تمكّنت من الحفاظ على وظيفتي أثناء هذه الجائحة في الوقت الذي فقد الكثير من الأفراد وظائفهم، وآمل أن أواصل العمل حتى أتمكن من إعالة أسرتي وإرسال أطفالي إلى المدرسة لمواصلة تعليمهم”.


