
لماذا يواجه رواد الأعمال العراقيون صعوبات في الحصول على التمويل؟
يعد الحصول على التمويل تحديًا شاملًا بالنسبة لمعظم الشركات الصغيرة والمتوسطة، بصرف النظر عن موقعها. ومع ذلك، ينطوي النظام المالي في العراق على تحديات فريدة تضع عقبات أكبر أمام رواد الأعمال الذين يحاولون تأسيس الشركات أو تنميتها.
إن أكبر عقبة يواجهها رواد الأعمال العراقيون في الحصول على التمويل هي الانخفاض الكبير للمعدل انتشار الخدمات المصرفية في البلاد. وبحسب قاعدة بيانات المؤشر العالمي للشمول المالي، فإن نسبة البالغين في العراق ممن يملكون حسابًا مصرفيًا بلغت نحو 19% فقط في العام 2021. علاوة على ذلك، اقترض نحو 4% من فقط من البالغين في العراق المال من مؤسسة مالية أو استخدموا خدمات الدفع عبر الهاتف المحمول في ذلك العام.
ويقول كبير مديري الاستثمار في شركة “جروفن العراق”، عبد الغني الحسني، إن العراقيين لا يثقون كثيرًا في البنوك لـ”أسباب تاريخية”. ويضيف الحسني: “في العام 1990، واجه العراق عقوبات دولية صادرة عن مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة، والعديد من الدول منعت بموجيها العلاقات المالية والتجارية معنا؛ وقد أضر ذلك بشكل كبير بالاقتصاد وبدأ الأفراد بسحب أموالهم من البنوك”. ويوضح الحسني أن البنك المركزي العراقي، ولمواجهة هذه الأزمة، وجه البنوك برفض السحوبات النقدية، الأمر الذي أوجد حالة من عدم الثقة، لا تزال متجذرة حتى اليوم.
ويقول الحسني إن هذه الحالة أوجدت نظامًا مصرفيًا لا يزال متخلفًا ويفرض مجموعة من التحديات التشغيلية على الشركات. وعلى سبيل المثال، يمتلك العراق عددًا قليلًا نسبيًا من البنوك العاملة في البلاد، إلى جانب عدد محدود من الفروع التي تقدم خدماتها للسكان. علاوة على ذلك، تعمل معظم هذه الفروع حتى الساعة 12:00 أو 13:00 يوميًا فقط، كما أن عدد أجهزة الصراف الآلي في البلاد منخفض للغاية، ما يعني أنه يتعين على الأفراد المرور بإجراءات طويلة لسحب الأموال. ويضيف الحسني في هذا الصدد أنه ورغم براعة المواطنين في استخدام التقنيات، لا تزال الخدمات المصرفية الإلكترونية في العراق متأخرة، كما أن رواد الأعمال العراقيين محرومون من سهولة تنفيذ المعاملات التي يعتبرها نظراؤهم في أماكن أخرى من العالم أمرًا اعتياديًا”.

يشير تقرير بحثي صدر في سبتمبر 2021 عن معهد الدراسات الإقليمية والدولية إلى أن هذه التحديات تعني أن غالبية الشركات الصغيرة والمتوسطة في العراق تعمل “خارج الشبكة” وخارج النظام المصرفي العالمي. وبالنسبة للشركات التي ترغب في فتح حساب مصرفي، فإن العملية التي عليهم خوضها تتسم أيضًا بالتعقيد، إذ يتعين على جميع الشركات التسجيل لدى غرفة التجارة في مناطقها قبل أن تتمكن من فتح حساب مصرفي للشركات. وتتطلب عملية التسجيل، في المقابل، من الشركات امتلاك مبنى للأعمال (ليس منزلًا)، ومحاميًا ومحاسبًا معتمدين متاحين في جميع الأوقات.
ويؤكد الحسني أنه “في ظل هذه البيئة، تعد قيمة برنامج مثل صندوق أورنج كورنرز للابتكار الذي يمكن أن يوجه رواد الأعمال ويساعدهم في تطوير شركاتهم الناشئة هائلة، إذ لا يحتاج رواد الأعمال العراقيون إلى الدعم في تطوير خطط أعمالهم وأفكارهم فحسب، بل أيضًا إلى التعامل مع بيئة مليئة بالتحديات بالنسبة للشركات الفتية”
في إطار صندوق أورنج كورنرز للابتكار، تقدم شركة “جروفن العراق” ورش عمل وجلسات تدريب فردية لما يقرب من 100 رائد أعمال، يشاركون في برنامج حاضنة أورنج كورنرز للأعمال في أربيل. وسيقدم البرنامج مساعدة مالية إضافية ودعمًا إلى مجموعة مختارة من المشاركين في حاضنة الأعمال، يهدفان في الوقت ذاته إلى تزويد جميع المشاركين بالمهارات التي يحتاجونها لتحويل أفكارهم إلى شركات ناشئة ناجحة يمكن عرضها على ممولين محتملين آخرين للمساهمة فيها.
ويختم الحسني بالقول: “الوصول إلى التمويل لا يعد أمرًا حاسمًا لتمكين الشركات الناشئة من النمو فحسب بل أيضًا لضمان نجاح رواد الأعمال الذين يقفون وراءها؛ فالشركات الصغيرة هي المسؤولة عن إيجاد الغالبية العظمى من الوظائف في القطاع الخاص بالعراق، وبالتالي، فإن ضمان قدرة هذه الشركات على الوصول إلى التمويل – أو الأدوات التي تحتاجها للحصول على هذه الإمكانية – أمر بالغ الأهمية في تعزيز النمو الاقتصادي وزيادة فرص العمل في العراق”.

يساعد برنامج دعم الشركات الصغيرة والمتوسطة في ضوء جائحة كوفيد-19 شركة “جروفن” في الحفاظ على الوظائف وإنقاذها شمالي العراق
ساهمت “جروفن”، بدعم الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، في توفير 386 وظيفة كانت معرضة للخطر بسبب تأثير جائحة كوفيد – 19 على الشركات الصغيرة شمالي العراق.
يطبق برنامج الاستثمار شمالي العراق تحت إدارة جروفن نطاق عمله الاستثماري الحالي في المنطقة لإنشاء برنامج لدعم الشركات الصغيرة والمتوسطة في ضوء جائحة كوفيد-19 لمواجهة التأثير المدمر الذي خلفته الجائحة والقيود المرتبطة به على الشركات الصغيرة. وقدم البرنامج للشركات الصغيرة والمتوسطة المؤهلة قروضًا دون فائدة لأول 12 شهرًا، يتم بعدها فرض سعر فائدة مُيسّر على الرصيد المستحق.
وقدم البرنامج ما مجموعه 1.5 مليون دولار من التمويل إلى 23 شركة خلال العام الماضي، إذ تعمل هذه الشركات في مجموعة من القطاعات وتوظف نحو 386 شخصًا. وشملت الوظائف التي تم الحفاظ عليها 116 وظيفة تشغلها نساء، و106 وظيفة يشغلها عمال غير مهرة أو شبه مهرة، و323 وظيفة يشغلها أفراد من فئة الشباب (تقل أعمارهم عن 35). وقدم البرنامج الدعم لرواد أعمال من عدة مجموعات من الأقليات في العراق، إذ يتملك أحد أعضاء مجموعة الأقلية تسعة شركات استثمارية.
أطلقت شركة “جروفن” عام 2019 برنامج الاستثمار شمالي العراق لدعم إعادة بناء قطاع الشركات الصغيرة والمتوسطة المحلية بعد الضرر الشديد الذي لحق بالبنية التحتية والاقتصاد في المنطقة. ويقول أشرف إسماعيل، رئيس الاستثمار بمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في جروفين، إن برنامج دعم الشركات الصغيرة والمتوسطة بعد جائحة كوفيد 19 سمح لبرنامج الاستثمار شمالي العراق بمواصلة جهوده للمساعدة في إعادة بناء قطاع الشركات الصغيرة والمتوسطة هناك حتى مع ظهور مشكلات جديدة مرتبطة بالجائحة.
“اضطر رواد الأعمال شمالي العراق إلى إظهار قدرة خارقة على الصمود في وجه هذه الأزمة في محاولة إعادة بناء أعمالهم بعد طرد داعش من المنطقة، في وقت كانوا بأمسّ الحاجة إلى الدعم. واستحدث برنامج الاستثمار شمالي العراق لتنمية وتطوير الشركات الصغيرة والمتوسطة بهدف إيجاد فرص عمل، إلا أن الحفاظ على الوظائف خلال الجائحة أصبح محور التركيز الرئيسي لتلك الشركات.”

وكان من بين المستفيدين من البرنامج أربع شركات كان لا بد من إعادة بنائها بعد أن دمرتها أو داعش نهبتها. وقد تسبب اجتياح داعش لمدينة الموصل في خسارة محمد كل ما قام باستثماره في مطعمه “مقهى A1“. ورغم أنه تمكن من إعادة افتتاح “مقهى A1“، لكنه كان يخشى من ألا يستمر عمله، الذي يوظف تسعة أشخاص، بعدما أجبرته التدابير التي فرضتها الدولة في ضوء مكافحة كوفيد-19 على إغلاقه من منتصف مارس إلى يونيو من العام الماضي. ويقول محمد:
“أكثر ما كنت أخشاه هو ألا أكون قادرًا على إعالة أسرتي ماليًا. إلا أن القرض ساعدني على إعادة تشغيل المطعم”.

وتضمنت الشركات المستثمرة في البرنامج أربع شركات مملوكة للنساء. وتقول شيلان، مالكة صالونميا بيلا صالون في أربيل، كان من المفترض افتتاح فرع ثانٍ له عام 2020 قبل فرض إجراءات إغلاق جديدة لوقف تفشي فيروس كورونا لثلاثة أشهر تقريبًا. وخشيت شيلان من عدم استمرار عملها والوظائف التسعة التي تدعمها نظرًا لعدم تمكنها من تحقيق أي دخل خلال هذه الفترة. وتقول:
“بدأت تساورني مخاوف من إغلاق مشروعي وإرسال الموظفين إلى منازلهم. وما الذي سيحصل لكل هؤلاء الأفراد المعتمدين على هذا المشروع في الحصول على مصدر دخل لهم؟ إلا أن القرض الذي قدمته لنا شركة جروفن أنقذ “Mia Bella” من الانهيار،”
تأثير الأموال في العراق
10 مليون دولار
الاستثمار في الشركات العراقية الصغيرة والمتوسطة
1310
استمرار الوظائف المباشرة
6550
سبل العيش مستدامة
يعمل صندوق نُمُوّ العراق التابع لشركة جروفن جنوبي العراق منذ عام 2013. واستثمر برنامج الاستثمار شمالي العراق وصندوق نُمُوّ العراق معًا قرابة 10 ملايين دولار في الشركات الصغيرة والمتوسطة العراقية، ما ساعد هذه الشركات على الحفاظ على 1310 وظيفة مباشرة و6550 مصدرًا للرزق. واختتم اسماعيل بالقول:
“مع استمرار الجائحة، ستظل الظروف الاقتصادية في العراق صعبة لبعض الوقت، ولا يعزز هذا المشهد سوى التمويل والدعم الذي يوفره كل من برنامج الاستثمار شمالي العراق وصندوق نُمُوّ العراق معًا للشركات الصغيرة والمتوسطة، بالإضافة إلى التأثير الاجتماعي والاقتصادي لهذه الصناديق على حياة العراقيين.”


