رواد أعمال مسيحيون يعملون على إعادة إحياء بخديدا

استيقظت أسرة كرم كاجو على أصوات مدافع الهاون، واستمر القصف نصف ساعة، لم يفارق القلق والدته خلالها؛ فقد كان كرم متوجهًا إلى السوق لشراء الخبز عندما اتصل به والده. “طلب مني العودة إلى المنزل بسرعة. وفي الطريق، رأيت سيارة مليئة بجثث الأطفال. وما أن وصلت إلى المنزل، حتى قيل لي أن مدفعًا ضرب منزل جيراننا سقطت على إثره سيدة وثلاثة أطفال.”
وعندها، أدرك كرم وعائلته ضرورة ترك منزلهم في بلدة بخديدا التي تقع شمالي سهل نينوى في العراق. ولحسن الحظ، تملك أسرته منزلاً صيفيًا يبعد 100 كم إلى الشرق من عقرة. خمس ساعات من الانتظار في حرارة السيارة للمرور من نقطة التفتيش كانت الأصعب على والده المسن. استغرق الأمر أكثر من ثماني ساعات للوصول إلى عقرة. “صبيحة اليوم التالي، جاء عمي وأخبرنا أننا فقدنا كل شيء بعد أن سيطر تنظيم داعش على المدينة، كل شيء! ولم تبق لنا إلا الذكريات.”
وبحسب تقارير لجنة إعادة إعمار نينوى، دمر تنظيم داعش ونهب أكثر من سبعة آلاف منزل في بخديدا، وبعد أن كانت تضم أكبر تجمع مسيحي في العراق – إحدى الأقليات التي استهدفها داعش – خلف التنظيم وراءه دمارًا يعجز المرء عن التعرف على المدينة بعده؛ فقد تدمر المقهى الناجح الذي أسسه في المدينة، وغدت خططه التي وضعها مع إخوته وأصدقائه لإنشاء مصنع جديد محض أمنيات.
بدأ كرم مسيرته المهنية عام 2003 صحفيًا في الصحيفة المحلية أثناء دراسته في الموصل، وعندما بدأ تنظيم القاعدة بتهديد الصحفيين والمسيحيين على السواء وقتلهم، أصبح كرم معرضًا للخطر لهذين السببين. ولكن مضى عازمًا على إنهاء دراسته وتخرج في 2008. “أحرص دائمًا على بناء نفسي بالتوجه نحو التعليم، وكان التخرج من الجامعة مهمًا بالنسبة لي – وإن كان خطيرًا؛ لأنه سلاح يساعد على مواجهة المستقبل.”
وفي السنوات التالية، عمل في قطاع أمن الطيران، ثم معلمًا في مدرسة دولية، قبل أن ينشئ مقهى خاصًا به. ويقول كرم إنه تعلم دروسًا مهمة من كل مهنة مارسها، ويضيف: “تعلمت كيف أشكّل فريقًا، وأدير العمليات، وأحل النزاعات، وأعمل وفق الموعد المحدد وتحت الضغط.”
واليوم، وبعد أكثر من خمس سنوات على ذلك الصباح الذي أجبرت فيه عائلته على ترك منزلها، يعمل كرم وشركاؤه الثلاثة على تفعيل خططهم لتجديد المقهى وتشغيله مرة أخرى؛ دون أن يتخلى عن طموحه في أن يكون له دور أكبر في إعادة بناء بخديدا، وإحياء مجتمعه.
ويمر كرم حاليًا في مرحلة التقييم للحصول على تمويل من برنامج الاستثمار شمالي العراق لإنشاء مصنع لإنتاج المناديل الورقية. “نسعى إلى تحويل السوق المحلية من سوق تقوم على التجارة فقط إلى سوق يزدهر فيها البناء، ونريد أن نجذب الاستثمارات إلى المنطقة مرة أخرى.”

ويرغب كرم كذلك في أن يساهم المصنع الجديد في خلق فرص عمل في بخديدا؛ “فهناك نقص كبير في فرص العمل، ولا شك بأن بناء مصنع يوفر عشرات الوظائف سيكون دافعًا كبيرًا للمدينة.” ومن المتوقع أن يولد المشروع 23 فرصة عمل جديدة، 14 منها للعمال غير المهرة أو شبه المهرة.
ويأمل الشركاء في جمع رأس المال الخاص بهم، والحصول على التمويل المطلوب لتأمين الإيجارات وشراء المواد الخام والمركبات والمعدات اللازمة لإنشاء خط الإنتاج الأول. ولكن تظل البنية التحتية السيئة وضعف إمدادات الكهرباء، وقلة الموظفين المهرة من التحديات الأخرى التي سيواجهونها، ولكن يعتقد الشركاء أن حجم الطلب في المنطقة كبير بما يكفي ليتمكنوا من إنشاء أربعة مصانع للإنتاج ولتوسيع نطاق أعمالهم، كما أنه لا يوجد منافسون لهم في محافظة نينوى حاليًا.
ويرى كرم أن العمل الجماعي مهم لتحقيق النجاح، وينظر إلى الشراكة على أنها مصدر لتعزيز مكانة المشروع، “نحن نكمِّل بعضنا، فالشركة بحاجة إلى الكثير من الجهد والوقت والعلاقات؛ وأربعة أشخاص أفضل من شخص واحد، وأربعة آراء أكثر حكمة من رأي واحد.”
وإذا ما صدرت الموافقة على تمويل المشروع من خلال البرنامج، سيستفيد كرم وأسرته من الدعم المستمر والخدمات الاستشارية التي تقدمها جروفن لمساعدتهم في بناء شركة مستدامة، وإعادة إعمار مدينتهم، وبث الروح في حياتهم.


