برنامج الاستثمار في شمال العراق يقدم دعمه في إرساء دعائم النمو في الموصل

نزل الخبر على محمد محسن آغا كالصاعقة، وحلت عليه نكبة ما أن سمع بأن مصدر رزقه الوحيد قد أصبح تحت الركام؛ فلم يغادر محمد مدينة الموصل شمالي العراق طوال الفترة التي وقعت فيها تحت سيطرة تنظيم داعش، وحتى خلال المعارك التي استمرت تسعة أشهر لاستعادته من التنظيم. ولكن، إن كان هو قد نجا، إلا أن شركته التي قضى سنوات من عمره في بنائها، غدت حطامًا. “كان خبرًا مفجعًا، لا أطيق حمله”، بهذه الكلمات وصف محمد حاله.
تحول محمد إلى رائد أعمال بعد أن اختار مغادرة الجيش العراقي الذي عمل فيه مهندسًا لبناء الطرق والجسور، وبدأ رحلته بتأسيس شركتين قبل أن ينشئ مصنعًا للمنتجات الفولاذية المستخدمة في الإنشاءات عام 2007، وعندما اجتاح داعش الموصل عام 2014، استولى التنظيم على مصنعه.
ثم تعرضت المدينة لضربات شديدة من الجيش لإخراج داعش منها، تهدم على إثرها نحو 138 ألف منزل، بحسب تقديرات المجلس النرويجي للاجئين، ناهيك عن المباني الصناعية والمستشفيات والمدارس والطرق والجسور التي تدمرت أثناء القتال، والأحياء التي سويت بالأرض. وبينت التقارير التي أصدرها البنك الدولي عام 2018 بأن إجمالي تكلفة المنازل المدمرة في المدينة تتراوح بين 5.1 مليار دولار أمريكي و6.9 مليارًا.
ويصف محمد حجم الدمار بالكارثي، ويقول: “لقد أعاق الاحتلال التقدم ودمّر البلاد، ولم يتهاون في قتل الأبرياء والمظلومين، وفي تحطيم المعالم التاريخية والثقافية، وبعد أن كانت الموصل تنعم بالاستقرار، أضحت رمادًا، وأصبح أهلها يتوقون إلى الحرية والكرامة.”
وحتى اليوم، ما يزال كثيرون يكافحون للعودة إلى منازلهم، حتى أن المجلس النرويجي للاجئين يقدر عدد النازحين في مدينة الموصل بنحو 300 ألف نازح لا يملك بيتًا يعود إليه. ورغم مضي قرابة سنتين على دحر داعش من العراق، إلا أن جهود إعادة إعمار الموصل بطيئة. “مثل كل رجال الأعمال، لا أستطيع أن أقف مكتوف اليدين أشاهد جسور الموصل ومستشفياتها ومصانعها ومدارسها تحت الأنقاض، وأهلها في أمسّ الحاجة للعمل وتأمين لقمة عيش لهم ولأسرهم.”
وبعد تحرير المدينة في 2018، بدأ محمد بتأسيس شركة لتوريد الأدوية إلى الموصل، ويعمل حاليًا على تأسيس شركة أخرى لن تساعده في بناء مستقبله وحده، بل مستقبل المدينة بأسرها؛ فبعد أن أدرك الحاجة الماسة إلى مواد البناء في الموصل، يخطط الآن لإنشاء مصنع لتكسير الحجارة لإنتاج الرمل والحصى اللازمين لبناء المنازل والمباني العالية، وحتى البنية التحتية. ومن المقرر أن يقام المصنع في الجانب الغربي المدمر من المدينة، حيث لا توجد مصانع مماثلة، وتشتد الحاجة إلى إعادة الإعمار.
ويرى محمد أن نقص الدعم المالي لا يزال العقبة الأبرز أمام رواد الأعمال شمالي العراق الذين يسعون إلى الوقوف على أقدامهم، ولأن كثيرًا منهم فقد كل ما يملك، تجدهم لا يجرؤون على التقدم بطلب للحصول على القروض، “ناهيك عن أن معدلات الفائدة على القروض الحكومية والمصرفية عالية جدًا، وكذا الضمانات التي يطلبونها”، يضيف محمد.
يمر محمد حاليًا بمرحلة التقييم للحصول على تمويل من برنامج الاستثمار شمالي العراق لشراء معدات ومركبات يحتاجها لإنشاء مصنع تكسير الحجارة. ورغم أن محمدًا لم يحصل على التمويل بعد، إلا أن جروفن تدعمه في إعداد خطة محكمة لأعماله. وما أن تصدر الموافقة على التمويل، ستقدم جروفن له دعمها المستمر، وخدماتها الاستشارية لمساعدته في تطوير عمله وتنميته، وضمان استدامته.
ووفقًا للبنك الدولي، تعد أعمال الإنشاء والإصلاحات التي تتطلب قوة عاملة كبيرة من الوسائل المهمة لتلبية الحاجة المحلة لتوفير فرص العمل في مناطق العراق المحررة. ومن المتوقع أن يسهم مشروع محمد في توليد 17 فرصة عمل جديدة ومباشرة، وأن يساعد في إحياء قطاع الإنشاءات المحلي لدعم خلق المزيد من الوظائف.
ويشعر محمد بالتفاؤل بنجاح مشروعه الجديد، وبأن تتجاوز مساهمته إحياء الموصل، لتمتد إلى المحافظة بأسرها، ويقول: “أحلم بأن أرى مدينتي تزدهر من جديد”.


