
أوائل الجنوب
عندما أحكمت داعش سيطرتها على شمال العراق في عام 2014، اضطر ما يقرب من خمسة ملايين شخص إلى الفرار من منازلهم. وبعد أربع سنوات، تحررت المنطقة من قبضة التنظيم، إلاّ أن الكثير من العراقيين لم يعد أمامهم سوى العودة إلى أرض يسكنها الركام والأنقاض.
في عام 2018، قدّر البنك الدولي المباني السكنية التي تضررت بالأفعال التي ارتكبتها داعش وما تلاها من عمليات عسكرية لطردهم من العراق بحوالي 140 ألف مبنى، نصفها أصيب بأضرار لا يمكن إصلاحها، كما قيّم البنك إجمالي هذه الأضرار بأكثر من 16 مليار دولار.
يقول مصطفى المليحي، مدير الاستثمار في جروفن العراق، إن رؤية المناظر الطبيعية المدمرة في مدينة الموصل التي كانت مزدهرة ذات يوم تبعث على الحزن وتدمي القلوب. وأكمل حديثه قائلًا: “عند مشاهدة المدينة الآن يراودك شعور أنها أنقاض قرية من عصور ما قبل التاريخ يتعين على علماء الآثار استكشافها، حيث أنك لا ترى سوى الأوساخ والصخور والمباني المدمرة وبقايا المباني القديمة. ولكن هناك أمل، فها قد بدأت المدينة تستعيد أنفاسها من جديد وبدأ الناس في إعادة بناء منازلهم وشركاتهم”.
رغم أن إعادة إعمار شمال العراق سوف تتطلب استثمارات واسعة ودعمًا دوليًا، يمكن للشركات الصغيرة والمتوسطة أن تلعب دورًا مهمًا في مساعدة المنطقة على إعادة الإعمار، ليس فيما يتعلق بالمنازل والبنية التحتية فحسب، بل باقتصادها أيضًا.
وفي هذا الإطار، منحت جروفن تمويلًا إلى شركة أوائل الجنوب، وهي شركة عراقية صغيرة تقع في البصرة ومتخصصة في مواد الديكور الداخلي وتوفير مجموعة واسعة من المنتجات المستوردة مثل ألواح الجبس وصفائح البولي فينيل كلوريد. وعند الإعلان عن إعادة إعمار شمال العراق والموصل، لم تتردد شركة أوائل الجنوب في إعادة فتح قنوات التوزيع لتجار الجملة ومقاولي الإنشاء هناك.
تمكنت شركة أوائل الجنوب، بفضل التمويل الذي حصلت عليه من جروفن، من استيراد كميات إضافية من المواد اللازمة من مورديها الصينيين نظرًا لارتفاع الطلب والمبيعات من الشمال بحيث أصبحت تمثل ضغطًا على تدفقاتها النقدية. وقد شرح مؤسس الشركة الشاب، نذير، ذلك بأن قال: “إن معظم الطلبات الحالية القادمة من الشمال تأتي من أشخاص يعيدون بناء منازلهم ويحتاجون إلى مواد ديكور أساسية مثل صفائح البولي فينيل كلوريد”.
ويقول نذير إن الحصول على التمويل يعد خطوة مهمة على طريق النجاح لمعظم الشركات الصغيرة. ولم تقتصر ما قدمته جروفن له على ذلك فحسب، بل قدمت له أيضًا نصائح حول كيفية تحسين الإدارة المالية لشركته، كما ساعدته في التعاقد مع شركة محاسبة من أجل تطبيق نظام محاسبي رسمي ومحوسب. ومن شأن هذه الخطوة مواصلة الإسهام في تحسين إدارة التدفق النقدي للشركة وتمكينها من التخطيط بشكل أفضل بناءً على تنبؤات أعمال أكثر دقة.
بدأ نذير مسيرته المهنية في شركة لأعمال الألومنيوم في الوقت الذي كان يستكمل فيه متطلباته الدراسية. سرعان ما أصبح أصغر شريك ومدير مشاريع في هذه الشركة ولكنه اختار الاستقالة للحاق بشغفه بأن يصبح أحد رواد الأعمال. “كنت بحاجة لأن أثبت لنفسي بأنه يمكنني إدارة الأفراد وتسويق نفسي. “كنت بحاجة لأن أثبت أنه يمكنني القيام بذلك على أفضل وجه، وقد نجحت”.


في عام 2012، افتتح نذير، وقد بلغ سن الثامن والعشرين، متجره الصغير الذي سوف يصبح في قادم الأيام شركة أوائل الجنوب. ومنذ ذلك الحين، رسّخ نذير مكانة شركة أوائل الجنوب كجهة فاعلة معروفة في سوق الديكورات الداخلية العراقية، وزرع بذرة هذا العمل التجاري ليحصد الآن متجرين وثلاثة مستودعات وصالة عرض كبيرة. “انقضت السنة الأولى بشكل بطيء، ومع ذلك فقد تمكنت تدريجيًا من بناء الاستقلال المالي لنفسي. لقد كان شعور الحرية لا يوصف.”
تسهم شركة أوائل الجنوب، من خلال إنشاء قنوات توزيع موجهة إلى شمال العراق والموصل، في إعادة إعمار المنطقة وإحياء قطاع الشركات الصغيرة والمتوسطة. وفي الوقت نفسه، تعمل الشركة أيضًا على خلق فرص عمل في البصرة، حيث ترتفع معدلات البطالة أيضًا. وتوظف الشركة حاليًا 36 شخصًا، بينهم 8 نساء.
يعمل لؤي في شركة أوائل الجنوب منذ سبع سنوات. وقد بدأ مسيرته المهنية فيها كعامل عادي يعمل ساعات إضافية لتأمين قوت أسرته. ومع مرور الوقت، شعر مديره بحبه للعمل مع الآخرين، فنقله إلى قسم المبيعات. واليوم، يشغل لؤي منصب مدير المبيعات في أحد المتاجر التابعة لشركة أوائل الجنوب. “يمكنني الآن إعالة زوجتي وأطفالي الثلاثة، وكذلك أختي وطفليها نظرًا لأن زوجها قد توفى في حادث. آمل أيضًا أن أستمر في دراستي لأنني لم أستطع إكمالها بسبب ظروف المعيشية الصعبة التي مررت بها في السابق.”
يقول نذير إن رؤيته تتمثل في أن تسهم شركته في تهيئة حياة أفضل للكثير من الناس. وتابع نذير كلامه بتقديم هذه النصيحة، “إن أبقيتم أعينكم موجهة نصب الهدف وتجاهلتم العقبات الحالية، فإن رفع مستوى التحفيز لديكم يكون عبارة عن مسألة وقت لا أكثر.”
برجاء الاتصال بنا لمعرفة المزيد حول خدمات استثمارات شمال العراق الخاص بشركة جروفن

المشاريع الصغيرة والمتوسطة في العراق تعيد بناء ما خلفه تنظيم داعش من دمار
تظل القدرة على الحصول على التمويل عقبة رئيسية تواجهها الأقليات
يقول ر.ح.إنه خسر كل شيء في غضون ساعات قليلة، بعد أن أجبر هو وأسرته على الفرار، عقب اجتياح تنظيم داعش لمسقط رأسه في بعشيقة في شمال العراق عام 2014. وقد أدى الهجوم إلى تدمير مصنع الطحينية الذي تملكه أسرة ر.ح منذ أكثر من 47 عامًا. يصف ر.ح المشاعر التي انتابته فور سماعه خبر تعرض مصنع أسرته للتدمير بأنها كانت صعبة للغاية وتسببت له بحالة من الصدمة لازمته فترة طويلة. ويضيف أنه لا يزال إلى اليوم لا يعلم حيثيات ما جرى بالضبط.
يعدّ ر.ح واحدًا من حوالي مليوني عراقي نزحوا من أماكن سكناهم إلى مناطق في شمال ووسط العراق بعد اجتياح داعش لمناطقهم وما تلاه من عمليات عسكرية لتحرير تلك المناطق من قبضة التنظيم. ينتمي ر.ح. إلى الأقلية اليزيدية التي وقعت ضحية لممارسات وحشية على يد تنظيم داعش. وفي هذا الخصوص، تقول الأمم المتحدة إن عمليات القتل الجماعي التي تعرض لها الرجال اليزيديين واختطاف الآلاف من النساء اليزيديات ليقعن في شرك العبودية الجنسية هي ممارسات ترقى إلى مستوى جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.
ولكن على الرغم من المأساة التي واجهها ر.ح. والأقلية التي ينتمي إليها، ظل محافظًا على عزيمته وإصراره على إعادة بناء مصنعه المدمر. ويشير ر.ح. إلى أنه يستمد هذه العزيمة من إرث وتاريخ أسرته وأجداده وسيسعى حثيثًا للمحافظة على هذا الإرث ونقله من جيل إلى جيل. يقول ر.ح. إنه يعتبر نفسه رجل أعمال طموح ويرى أن الإصرار على تجاوز التحديات وتحقيق الأهداف هو الأساس الذي يستند إليه رياديو الأعمال.
وبعد مرور أقل من عام على مغادرته بعشيقة، سعى ر.ح. للحصول على دعم أسرته والموظفين السابقين لإعادة فتح المصنع مجددًا في مدينة أربيل في إقليم كردستان العراق. ولكن لم يكن الأمر بتلك البساطة، حيث كان أمام ر.ح. رحلة طويلة من العراقيل والإجراءات البيروقراطية التي تتعلق بتأسيس المصنع والحصول على شهادات الصحة وضمان الجودة اللازمة. وعلى الرغم من عدم التمكن من إيجاد أي بنك أو أي مؤسسة راغبة في تمويل المشروع، ظل ر.ح. محافظًا على إصراره وسعيه نحو الأمام.
اليوم، ينتج المصنع ما بين 16 إلى 20 طناً من الطحينية يوميًا ولديه شبكة توزيع وطنية وشبكة تتكون من 25 تاجرًا من تجار الجملة في العراق. ويرغب ر.ح. في توسيع نطاق عمله لزيادة حصته في السوق العراقية ويتطلع قدمًا إلى تصدير منتجاته إلى البلدان المجاورة. يوظف مصنع “طيبة المحبة” 45 عاملًا، 25 منهم إناث. وكما هو الحال مع ر.ح.، خسر جميع هؤلاء الموظفين منازلهم وسبل عيشهم عندما فروا من قبضة تنظيم داعش الارهابي.
ومع ذلك، تمثل إمكانية الحصول على التمويل تحديًا كبيرًا، حيث يواجه ر.ح. صعوبات جمة في الحصول على قروض طويلة الأجل بمعدل فائدة عادلة. في هذا الصدد، يقول ر.ح.: “من الصعب إقناع البنوك المحلية بتمويل مشروعي هذا، كما تشترط البنوك المحلية وجود ضمانات ضخمة تكون قيمتها في بعض الأحيان أكثر من ثلاثة أضعاف رأس المال”.
يقوم هاوري ميراني، مدير الاستثمار لدى غروفين العراق بأن الافتقار إلى ضمانات يعتبر حاليًا أحد العقبات الكبرى التي تواجه روّاد الأعمال في شمال العراق – وخصوصًا الأقليات – في أعقاب اجتياح تنظيم داعش للمنطقة. وفي هذا الشأن، يقول السيد ميراني إنه من الصعب للغاية على الشركات الناشئة الحصول على التمويل، حيث تشترط البنوك وجود الكثير من الضمانات، في وقت لا تمتلك الأقليات فيه أي ضمانات يمكن أن تقدمها للبنوك وذلك بسبب خسارة ممتلكاتها وأراضيها لجزء كبير من قيمتها السوقية بعد اجتياح داعش للمنطقة.”
وتخضع شركة ر.ح. حاليًا لعملية تدقيق قبل أن تتمكن من الحصول على التمويل من خلال مبادرة الاستثمارات في شمال العراق، مما سيمكنه من تحديث وتوسيع مصنعه من خلال توريد خط إنتاج آلي جديد. وسيعمل خط الإنتاج الجديد على خلق 20 وظيفة إضافية، حيث تعهد ر.ح. بالاستمرار في توظيف النازحين وأفراد من الأقليات الذين هم في أمس الحاجة إلى دخل ثابت لبناء حياتهم الخاصة.
ورغم أنه حتى الآن لم تتم الموافقة على منح المصنع للطحينة تمويلا من خلال مبادرة الاستثمارات في شمال العراق، إلا أن فريق الاستثمار الخاص بغروفين يعمل بالفعل مع ر.ح. لضمان أن تكون شركته جاهزة للاستثمار ولوضعها في مكانة تمكنها من تحقيق النجاح. كما تساعد غروفين ر.ح. في اعداد واصدار البيانات المالية المدققة بحيث تصبح لديه صورة واضحة حول المركز المالي لشركته وليتمكن من اتخاذ قرارات استراتيجية أفضل في المستقبل.
كما عملت غروفين على تقديم ر.ح. إلى سلسلة متاجر “كارفور” العالمية وساعدت في إبرام اتفاقية اولية ستؤدي إلى بيع منتجات مصنع طيبة المحبة في أربعة من فروع كارفور في العراق. ومن المتوقع أن يكون لهذه الاتفاقية أثر كبير على مبيعات المصنع. بالإضافة إلى ذلك، عملت غروفين مع الشركة لإنشاء نقاط بيع متنقلة في أربيل ومحافظة نينوى خلال شهر رمضان. وفي حال الموافقة على منح المصنع المحبة التمويل المطلوب، ستواصل غروفين تقديم الدعم لـــ ر.ح. طوال فترة سداد القرض لضمان ديمومة شركته وقدرتها على مواصلة النمو.
ويقول ميراني أنه على الرغم من أن حالة عدم الاستقرار والافتقار إلى الأمان في المناطق التي كانت سابقًا تحت سيطرة تنظيم داعش ما زالت تشكل تهديدًا للمنشآت الصغيرة والمتوسطة ورواد الأعمال، إلا أن بيئة الأعمال في كردستان مستقرة. ويؤكد السيد ميراني على ذلك بالقول إن الآفاق الاقتصادية في الإقليم واعدة بفضل المساعدات التي تقدمها الحكومة العراقية والمنظمات الدولية إلى المنشآت الصغيرة والمتوسطة. ويضيف السيد ميراني أن الشركات في الإقليم تتطلع بكل إيجابية إلى المستقبل.
برجاء الاتصال بنا لمعرفة المزيد حول خدمات استثمارات شمال العراق الخاص بشركة جروفن


